ما بعد البلاغة.. ولا أقصد ذلك العلم الجاف الذي بنى غطرسته العلماء في القرن الرابع الهجري.. وجعلوا منه مثالا وصورةً مماثلة لعلوم الفيزياء في قوانينها وجمودها، ولربما الفيزياء الحديثة أكثر مرونة من علوم البلاغة التي ( بالغت) في التقاسيم المنطقية لمعانٍ أولى بها الذوق والحس والشعور والوجدان...

ربما التمس لهم عذر غرضهم في التقريب لمن لم تلامس شغاف روحه أضواء اللغة الساحرة وعبقرية التعبير العربي...

ولكنني حين أتحدث عن ( كلام الله) المعجز أتجاوز حدود اللغة التقليدية بكل علومها.. وأقف مشدوها عند تأكيد معنى " ما بعد البلاغة" لأن مدارسة بلاغة القرآن العظيم ليست ترفاً عقلياً أو متعةً لغويةً؛ بل هي من صميم عملية التفاعل والانفعال مع /وللنص الحكيم، ولا أشتط إذا قلتُ أنها من أهم المؤثرات في توجيه معنى النص والتعمق في روحه.

فإذا تصالحنا على أن البلاغة القرآنية هي بلاغةٌ "ثلاثية" الأبعاد، وإن تعمقتَ فقل: رباعية الأبعاد. بمعنى أنها تُعنِى برسم الصورة "مشهدا" متكاملاً في ذهن المتلقي يرصد الحركة والحوار والأداء رصدَه للصورة بتفاصيل اللون والصوت وزاوية التناول ثم يربط هذا كله بعبقرية التنقل بين الأزمنة وجعل الزمن عنصرا من العملية التصويرية لا ينفك عنها لتكون الصورة "رباعية وخماسية الأبعاد". وللتدليل على ذلك أغمض عينيك ثم تأمل قوله تعالى:

{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44] لترتسم في ذهنك مباشرةً مشهدية القوم وهم مجتمعون على هيبتهم ونظراتهم الحادة وقوة شكيمتهم ينظر بعضهم لبعضٍ ويتضاغون يدعي كلُ منهم الحق في كفالة مريم، ثم يتفقوا على قُرعةٍ يجرونها حلا لاحتدام الخصام. وفي بَدء الاية توجيهٌ لامتنان الله تعالى على رسوله -صلى الله عليه وسلم-بهذه الآيات التي تريه رأىَ العين أنباء الغيب كأنه يراها لتكون سجلاً حقيقياً وخالداً لهذا القَصص الحقِّ يحفظه القرآن العظيم ليس في كلماتٍ كما يتوهم السطحيون وإنما في مشاهدَ مكتَملةٍ يتلقفها الوجدانُ والشعور.. {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44]

وتأمل معي هذا المشهد الختامي الرائع لقصة نبى الله يوسف عليه السلام: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)}

فهذا عرش الحكم بألوانه الفرعونية الزاهية ونقوشه المضيئة ومهابته التي تسرق الألباب وها هو يوسف عليه السلام بوقاره الجميل وتواضعه المهيب يشير لأبويه بامتطاء هذا العرش، وها هم إخوته منكسي الرؤوس ملتفين حول أخيهم البرىء الذي ظلموه. ليمتد بعد هذا التكوين الماتع للصورة الملىء بالتفاصيل المختبئة في وجيزٍ معجِزٍ من الألفاظ الموحيةِ؛ يمتد بعد ذلك تكوين الحوار الهادئ الشاكر المطمئن لنبيٍ عظيمٍ من أولياء الله تعالى يذكر في نبرةٍ حانيةٍ-أخالها-وابتسامةٍ راضيةٍ وصوتٍ فَرِحٍ بوقوع رؤياه العظيمة التي امتدت عبر قصةٍ كاملةٍ حوتها السورة، ليقف عامل الزمن مكونا بعدا جديداً للمشهد مع استدعاء نعم الله تعالى على نبيه يوسف في لقطاتٍ "فلاش باك" = بلغة السينما والتصوير هي لقطات راجعة بزمن القصة بصورة سريعة ومتساوقة مع المشهد الأساسي... لقطات للسجن الذي عاناه نبي الله، وورود إخوته عليه من البدو، وخطته الربانية معهم، وحلول النهاية السعيدة للجميع مع الكلمات الربانية التي تعلو المشهد كله لتزرع العِبرة في شعور المتلقي مخاطبةً وجدانه واللا وعي فيه بقوله تعالى على لسان النبي الحكيم:

{إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)} علم الله المحيط، وحكمته في تصريف خلقه على ما يقتضي علمُه سبحانه جعل من فعلِهِ كلِّه لطفاً ورِفقاً لا يدركه المرؤ إلا بنظرةٍ عامةٍ على الدائرة من خارجها والقصة بعد تمامها.

ثم ينتقل المشهد بأريحيةٍ إلى الختام المهيب الذي يملك القلوب... ها هو يوسف يقف رافعا رأسه للسماء ويديه ناثرا دمعاته على خده الأسيل يبتهل إلى ربه تعالى:

{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 100، 101].

إنه بالفعل مشهدُ حقٍّ مهيبٌ مكتملُ العظمةِ يرسمه القرآن العظيم بكل أدوات التصوير المتاحةِ لخَلْبِ اللُّب والشعور وتكوين الوجدان وتوجيهه يقرنه النص العظيم بتوجيهِ آليةِ تحقُّقِ المشهد في القلب والعقل والشعور بقوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102] أولئك إخوةُ يوسفَ وما كان من قَصصهم يمتن الله تعالى بأنَّ وحيه جعل من تفاصيل قصتهم مع يوسف كأنه رأىَ العينِ لنبيه- أو هي رأى العين حقاً- إعجازاً وحفظاً لمعاناة أنبيائه من أجل تثبيت حاملي الحقِّ بعدهم، وإرواءً للنظرة والفكرة والعِبرة في قومٍ يتدبرون.

ولعلَّ معترِضٌ يتلقف ما عرضناه ويقول: إن ذلك لا يليق بعظمة القرآن، يقصد ما شبهنا فيه تكوين البلاغة القرآنية في كثيرٍ منها بالمشاهد المتقَنة.

وندعو له ابتداءً بالخير لغيرته على القرآن، والقرآن أهلق للغيرة والحفظ. ثم نطالبه أنْ يرحم ضعفنا أمام عظمة وبراعة النص القرآني في بلاغته وفصاحته. وما نقوله هو مجردُ تقريبٍ لعملية تلقي النص القرآني، ومقارَبة لدراسة بلاغته في النفوس اتساعاً بفهم تأثيرها في النفس تصوراً وعملاً عِوضاً عن الاتساع بفهم اصطلاحها تفلسُفاً وتعلُّماً.

بمعنى أنَّ مقاربة النصوص القرآنية في بلاغتها التي تُعني بتكوين المعاني في النفوس بتكوينها صوراً ومشاهداً تأخذ بالنفس إلى المعنى ومنه إلى التأثر والفعل أوْلَى من مقارَبةٍ ساوَقَها الجفاف لتصور حدود علم البلاغة والبحث عن تطبيقها على النص دون وجود أثر ذلك في المعنى أو التأثير، فلا عجبَ حينئذٍ أنْ يفرَّ القارئُ للتفاسير العتيقة-وهي جليلةٌ-من البحث الجاف عن نوع الاستعارة، وأدوات ترشيحها، وعلاقة المجاز فيها...إلخ.

هذا من ناحيةٍ، ومن الجانب الآخر يأتيكَ التدليل على تلقي البلغاء للنص القرآني يرونه ويبصرنه لا يسمعونه فقط، ومن هنا تعلم جنايةَ الذي حصر النص القرآني في حلِّ الألفاظ ورصِّ التوجيهات.

إقرأ معي مشكورا ما رواه عبد الله بن شداد بن الهاد قال: "سمت عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يقرأ في صلاة الصبح سورة يوسف، فسمعت نشيجه وإني لفي آخر الصفوف، وهو يقرأ {إِنَمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله} [يوسف: 86] . 

فتأمل كيف أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرق قلبه لحزن يعقوب عليه السلام، وكأنه يعيش معه حاله من فقدان ابنيه. وما ذلك إلا قياماً للمشهد في وجدان أمير المؤمنين وهكذا كانوا يقرؤون القرآن لا كما نقرأه. فعن الحسن البصري يقول: "كان عمر -رضي الله عنه-يمرّ بالآية في وِرْدِهِ فتخنقه فيبكي حتى يسقط، ثم يلزم بيته حتى يعاد يحسبونه مريضاً". فوالله ما يكون ذلك إلا من تصور المعاني على حقيقتها وانطباعها على مرآة القلب، فتخالط الدم وتسري في العروق وتداخل الجوارح.

( يتبع بإذن الله)