يدخل البيت مسرعا ، يفتح باب الغرفة بكل شغف ، يضئ الأنوار ، ويفتح وهاتفه أو حاسبه أو جهازه اللوحي، كل تطبيقات التواصل الاجتماعي على الهاتف، أخذت تعزف سيمفونية يعشق صوتها وأنغامها، انعكست أشعة الهاتف على وجهه، صبغ وجهه بلون الشاشة الزرقاء ، شحنات منتالية من الكهرباء سرت في أصابعه ، وبدأ يرد على عشرات الرسائل على (الواتساب والماسنجر والإنستجرام وتوتير و......و.......) يكتب مئات الكلمات بسرعة رهيبة.

 عبارات بعضها يفيض بالمحبة والمودة والمشاعر الجياشة، وبعضها تنظير علمي لا يخرج إلا من عالم جهبذ في ميدانه ، وبعضها نظريات جديدة في الاقتصاد و رابعة حلول سياسية لمشاكل الشرق الأوسط ، ودول العالم الثالث ، وهو في كل ذلك يتنقل في ردوده على صفحات التواصل الاجتماعي والمنتديات بين (Google )و(Ask ) ينتهي من جولته التي تستغرق ما يقرب من ساعتين إلى ثلاث ساعات يوميا ، عبر عن آرائه ، وانتهت وجبة العقل.

 والآن وقت العمل ، قال لنفسه :" سأخوض حربا الآن و سأبذل مجهودا مضاعا حتى أنتصر اليوم في لعبة (PUBG) و سأعد خططا مدروسة في لعبة ( fortnight) ." حان الوقت الآن للترفيه ، هناك فيلم جديد في إحدى المواقع التى ترفع الأفلام الجديدة . 

أو من الممكن أن يشاهد ال( live) في تطبيقات ال( live) الكثيرة عنده . ثلاث ساعات أخرى هي المدة التي قضاها في الترفيه عن نفسه . والآن لا بأس بجولة أخرى على صفحات الفايس بوك ، فقط لكتابات بعض المنشورات من زبدة فِكَره وخلاصة تجاربه وخبراته الممتدة . 

لا بأس ببعض المنشورات الدينية التي لا تصدر إلا عن عالم نحرير ، ولا يضر بعض الآراء السياسة التي لا يخطها إلا قائد زعيم مجرب ، ومن الممكن أن يكون المنشور عن تحليل لمبارة نهائي دوري أبطال أوروبا، الذي وجب على المدرب فيه أن يضع التشكيل بخطة كذا ، وأن اللاعب الفلاني لا يصلح للعب كرة القدم، وأن الحكم في قرارته كأبي حسل.

 جميل ،  انتهى اليوم المشحون بسلام ، الآن بعض النوم والراحة ، ولكن يتنبه فجأة على صوت أمه تناديه لكي يحضر لها غرضا ما من المتجر إلى جوار البيت ، لكنه لا يحسن شراء الأغراض ، ولا يحب أن يتعامل مع العم محمود صاحب المتجر ؛ لأنه دائما يسأله عن حال أبيه وعائلته ، كما أن الطريق إلى المتجر فيه الكثير من الناس الذين كثيرا ما يطلبون منه المساعدة ، وهو دائما مشغول ليس عنده وقت لهم .

 في اليوم التالي بالكاد استيقظ قبيل الظهر ، التقط الهاتف المسجى على الوسادة بجوار رأسه ليرى آخر أخبار منشوراته ، ثم قام إلى الحمام ملتصقا بيده هاتفه ، ساعة في الحمام ، ثم يعود إلى اريكته ليكمل رحلته . 

صوت أبيه هذه المرة ينبهه بعد مرات عديدة أن يذهب لزيارة عمته المريضة ، لكنه أيضا مشغول الليلة فقد ارتبط مع طارق وخالد و ( تيفا) على لعب فيفا. يا لها من أيام مشحونة بالأحداث ، وكل فضيلة مأتية ، وكل خير مصاب ،لكنه سراب في عالم صفري.   

عالم افتراضي