اليوم بلغت الأربعين

 ليس من هدي الإسلام الاحتفال بما يسمى عرفا بين الناس أعياد الميلاد ، ولو كان خيرًا ما تركه نبينا الكريم ، ولا من بعده الخلفاء المهديين ، ولا علماء الأمة الربانيين ، وهذه سنتي في نفسي إلى أن ألقى ربي ، ألا احتفل بيوم ميلادي . ولكن جرت العادة المحكمة في عقلاء البشر أنه كلما مرت السنون ، جلس مع نفسه جلسة مراجعة وتذكير ، مراجعة لما مضى ، وتذكير بما هو آت .

 وها أنا قد وصلت بقطار الحياة المسرع إلى محطة الأربعين ، ذلك الرقم الفارق في مراحل الحياة ، ذلك السن الذي صار فيه الإنسان راشدًا في سن النبوة ، تلك السن التي استوى الإنسان فيها عقلا و قلبا وجسدا ، فصار مهيئا أن يواجه ويتعامل مع كل ما يجد من حوادث الزمان كبر أو صغر ، أو أن ذلك ما يجب أن يكون عليه . 

 تلك السن التي وجب على من بلغها شكر الله الذي وهبه حياة في كنف الإسلام وتوحيد الله .

 تلك السن التي خصها الله في كتابه بدعاء حسن جميل ، لما فيها من خصوصية ، فقال( عز وجل) :"  وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"  ( الأحقاف: 15) 

 وفي التفسير ( وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) ذلك حين تكاملت حجة الله عليه, وسير عنه جهالة شبابه وعرف الواجب لله من الحق في بر والديه. 

 إنه لإحساس عجيب تمر أمام ناظريك كل تفاصيل حياتك على مدى أربعين سنة كأنها ساعة من نهار ، تخبرك أن العمر لحظة ، وأنت بالخيار في قضائها بين دفتي الوحي ، أو بين حفر الأهواء والشهوات. لقد تعلمت عند بلوغي الأربعين ، ألا أفرط في لحظة مما قدر الله لي بقاءً على وجه الأرض في نفع أو خير أو طاعة . 

 لقد تعلمت ألا أجعل في قلبي ضغينة ولا حقدا ، وأن أبقي بابي مفتوحا لكل من أراد اعتذرا أو مودة أو صحبة. 

 لقد تعلمت أن أقوم لله بما أوجب علي ، فلا يفقدني حيث أمرني ، ولا يجدني حيث نهاني . لقد تعلمت أن ساعة مع أهلك هي خير لك من ذهب الدنيا الذاهب ، إما معلما أو متعلما ، أو شاربًا كؤوسا من حبور مصفى . 

 لقد تعلمت أن الأربعين نعمة أهداها الله إليك ، وهي فاروق بين ما قبلها وما بعدها ، ففيها هدأ طيش الشباب وفورته ، و كملت آلة العقل ممهدة لدور أهم وأكبر في الحياة .

 لقد تعلمت في الأربعين أنك في مكان وسطا بين مرحلتين مختلفين في حياة الناس ، فأنت الرابط بينهما ، فلست بالصغير الذي يرفض الشيوخ رأيك أو خبرات حياتك وتجاربك ، ولست بالكبير الطاعن في السن الذي يرى الشباب أنه من زمان مختلف عن زمانهم ، وأحلامه غير أحلامهم ، وكأنك قد وكلت أن تكون منطقة التوازن في المجتمع بين جميع أجياله. 

 إن الأربعين هي قمة الجبل ، قد بلغك الله إيها ، وليس بعدها إلا النزول تدرجا أو مرة واحدة ، فإن بلغتها فاعلم أن حياتك بعدها ليست كحياتك قبلها. 

بلغت الأربعين