تحت المجهر

في حصة العلوم بين شغف دخول معمل العلوم ، و متعة مشاهدة قطرة ماء تحت المجهر ، أول اكتشاف عملي لنا في فجر العمر أننا لا نعيش في هذا العالم وحدنا، أخذت معلمتنا الأستاذة (سمية) قطرة من قارورة ماء كانت قد أعدتها من قبل، ووضعت فيها بعض أوراق الشجر منذ عدة أيام، انتظر في صف المستكشفين الجدد، وكأنها رحلة إلى الفضاء كادت تنطلق.

امتدت يدي إلى (المجهر الضوئي) أذني تسمع تعليمات المعلمة، وعقلي في مكان آخر، اتبعت التعليمات، حركت أسطوانة لأعلى ولأسفل وكأني داخل مركبة فضاء تطير صعدا، ثم حطت سفينتي فجأة على كوكب جديد، لم أعرفه إلا في الأساطير، وبدا بديع خلق الله كأنه تلك المخلوقات التي طالما أخبرتني جدتي عنها في حكايات ما قبل النوم.

مخلوقات تشبه الأسماك، وأخرى تشبه الوحوش الأسطورية في أفلام الخيال العلمي، وثالثة تشبه حيوانات نعرفها في عالمنا، سبحان الله، ما هذا العالم؟! لم أستطع النطق إلا بهذه العبارة.

أطلت النظر عمن سبقني من الزملاء، فلهزني أحدهم أن أسرع، وأنا في عالم آخر. تنبهت فجأة على صوت معلمتي، تحثني أيضا على الإسراع حتى يتاح الوقت للجميع للمشاهدة مثلي، وأنا كالمفتون المسحور بهذا الكوكب العامر تحت مجهري.

انصرفت مضطرا وفي نفسي شيء تغير منذ تلك اللحظة، هناك حقا الكثير والكثير لم نعرفه بعد، لم أكن أعلم قبل هذه اللحظة أنه موجود، وغبت أسأل نفسي كيف تعيش هذه الكائنات ؟!وماذا تأكل ؟!وهل تتكلم مثلنا ؟!عشرات الأسئلة في ذهني، حتى جاء يوم كنت استمع فيه آيات من كتاب الله ، ولم تزل هذه اللحظة في خلدي لا تنفك عني، فسمعت قول الله (تعالى) : " وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38 : الأنعام)

فسبحان الله كأن هذه الآية قد فتحت بابا مغلقا، فتداعت الآيات ، والخواطر إلى ذهني مسرعة، تذكرت فجأة نملة سيدنا سليمان (عليه السلام)، وذكر البعوض والذباب في كتاب الله العزيز.

وأيقنت حينها أن هناك عوالم شتى الله أعلم بها قد أنبأنا بها، وأخرى قد أخفها في علمه.

وبدأ درس جديد في حياتي ، درس من التفكر والتأمل في خلق الله، بدأت أنظر وقتها إلى كل شيء بنظرة مختلفة ، ورق الشجر، ونجوم السماء، وقطرات الماء في الجدول الصغير إلى جواري، صياح الديكة ونهيق الحمار، نباح الكلب وشقشقة العصافير ، كل شيء خلق بقدر وحكمة بالغة، عز على هذا العقل الضعيف المحدود بعالم المحسوسات أن يفهمها إلا من خلال بيان باريها وفاطرها .

ثم عاودني ما هاتفني في المرة الأولى بآية ثانية ، ألا وهي قول الله (تعالى) : " الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191 : آل عمران)

فسبحان الله الذي أخفى وأبدى لحكمته البالغة ، وسبحانه الذي امتن على الإنسان بذلك النور الفريد والجوهرة المكنونة ، ذلك العقل الذي ميز الله به البشر، وجعله علة التكليف، وأمرنا بإعماله على وجهه الذي خلق له ، وسبحانه الذي يسر لنا العلم وأعطانا من أسبابه حتى نوحده ونعظمه ونسبحه كثيرا ، قال ( تعالى ) : " يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34) ( ٣٣-٣٤ : الرحمن)

دعوة للتأمل