جحر الضب

(عمو أحمد أنت بقيت شيخ زي بابا؟!) عبارة عفوية سألها صغيري لصديقي الذي فجأة قد سود وجهه بلحية أنيقة ،مثلثة الشكل وشارب قد قص وقُدَّ بعناية بالغة حتى أشبه شوارب (بشوات) مصر الملكية.

فأجابه بضحكة متثعلبة :" لا لا بس دي الموضة بقى يا عبدالرحمن"

سمعت العبارة ولم أعلق ، لأن أهل مكة أدرى بشعابها، فكلامي مع صديقي بين أمرين ؛ جدل أو جدل.

على كل حال ، مازحته قائلا : " خد بالك هيتقال لك يا شيخ كتير!!

انتشرت (موضة اللحى) وفجأة وجدنا كل أطياف الناس ملتحين .

هنا تذكرت سخرية بعضهم من لحيتي ، وأنها تجعلني أشبه (......)

و حتى لا تهيج علي نفسي ، ما أبغيه ، هو بيان ما أصبحناه من غثاء ، وما انتكس من فطرة فطرنا الله عليها ، وما صرناه من خيال وظلال تتبع عودها المعوج في ميله وانكفائه ، أصبح أمرا غريبا ومخيفا ، في مسارعتنا في التقام كل ما يلقى إلينا من أمم الدنيا ، لا نفرق فيه بين رطب ولا يابس.

ما أبغيه هو تلك الهوية التي سلبت منا شيئا فشيئا ، فأصبحنا مسوخا من الداخل ، لكننا غلفنا ذلك المسخ بألطف الصور ، صرنا أروح مهللة ، ومطية كل راكب .

بعضنا صار يلبس الثياب المقطعة ، وبعضنا صار لا يلبسها أصلا ، إلا ما أخفى ليكشف ، وما ستر ليفضح ، وما غطى ليشف .

وبعضنا صار رأسه كأسنمة البخت ، أو كجدي جدتي الذي كان تعده لتضحي به العيد .

لا ينفك كل ذي بال أن يذكر من حديث أبي سعيد الخدري ، قول النبي ( صلى الله عليه وسلم) : " لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا يا رَسُولَ اللَّهِ: اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى قالَ: فَمَنْ." ( البخاري)

ونحن مع تسليمنا بالحرية الشخصية والدينية ، ولكن من ارتضى الإسلام دينا ، فهو مسلم ومستسلم ومنقاد ، محبة وخوفا ورجاء لرب العالمين الواحد الأحد.

والدين جاء حاكما على أهواء البشر ، ضابطا لشهواتهم ، محبا لهم الكمال البشري ظاهرا وباطنا .

وليس كل سوداء عندنا تَمْرًا ، وليس جحر الضب لنا مقصدا ، ولو قصده العالمين 

جحر الضب

هوية المسلم