روي أنَّ رجُلًا مدَح رجُلًا عندَ ابنِ عمرَ فجعَل ابنُ عمرَ يرفَعُ التُّرابَ نحوَه وقال: قال رسولُ اللهِ (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) : " إذا رأَيْتُم المدَّاحينَ فاحثُوا في وجوهِهم التُّرابَ " ( صحيح ابن حبان) 

 وعَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ رَجُلاً جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ فَعَمِدَ الْمِقْدَادُ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ -وَكَانَ رَجُلاً ضَخْمًا- فَجَعَلَ يَحْثُو فِي وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ مَا شَأْنُكَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ " ( رواه مسلم)

 سمة هذا الزمن أو تكاد ، ذلك الوباء المستطير الذي فشا في رأس الأمة حتى أخمص قدمها ، فصار لعموم البلوى به من العادات المألوفة ، أو صار عند البعض من الأخلاق المحمودة . 

ذلك المدح المكذوب ، وتلك الكلمات التي ما تسرع بها الألسن ، نزيف الحقائق ، و تلوي أعناق الكلمات لترغمها على الالتفات إلى الزيف والزيغ عن الصواب والحق. يسرع المرء إلى المدح ولمّا يعلم بعد حقيقة وطبيعة من يمدحه ، يرفعه إلى عنان السماء ، وهو بعد لا يجاوز الثرى ، وهو في ذلك مبالغ ليحصل منفعة ، أو يشبه والمدح نوع من الشهادة ، وأنت تشهد لإنسان بما ترى وتعلم وتوكل سريرته إلى الله ، وهذا الأمر إن بدا منه صلاحا  وخيرا ، وأنت في هذه الحال مأمور أن تجعل الأمر بركة لك وله ، وسلامة لك وشهادة خير له . 

فعن أبو بكرة نفيع بن الحارث قال : أَثْنَى رَجُلٌ علَى رَجُلٍ عِنْدَ النبيِّ (صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ) فَقالَ: "ويْلَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ أخِيكَ - ثَلَاثًا - مَن كانَ مِنكُم مَادِحًا لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أحْسِبُ فُلَانًا، واللَّهُ حَسِيبُهُ، ولَا أُزَكِّي علَى اللَّهِ أحَدًا، إنْ كانَ يَعْلَمُ." 

فهذا هو الواجب عليك إذا مدحت صالحا من الناس ، و وفي موضع يستحق المدح وليس على كل حال . أما إن مدحت من لا يستحق وأنت لا تعلم حقيقته ، فتلك مصيبة ؛ لأن الناس تغتر بمدحك إياه ، وقد يترتب على ذلك أمور شتى ؛ من توثيقه واتباعه والشهادة له . والمصيبة تكن أعظم و أجرم إن كنت تعلم أنه ليس أهلا لذلك المدح ، وليس موضع ذلك الثناء ، فتصير شهادتك زورا ، وقد يزداد الأمر مألوفا عندك ، وخلقا لك حتى يصبح ما تقول لتمدح به مخالفا لما وقر في قلبك ؛ فتقع في الإثم الكبير ، والذنب العظيم ، وأنت يا مسكين تحسبه هينا وهو عند الله عظيم. 

 وكثرة مدح من لا يستحق تجعله يبقى على حاله _و لا غرو _ فالكل يمدحه ، وقد يزداد تماديا فيطغى . و كان من كلام ابن عمر ( رضي الله عنه) :"مَدحُك أخاك في وجهِه كإمرارِك على حلْقِه موسى رميضًا ؛ أي شديدًا ." 

 وكان من هدي السلف الصالح إذا مدح أحدهم ، كان يقول ، كما روى الإمام البيهقي في شعب الإيمان:" قَالَ بَعْض السَّلَف: إِذَا مُدِحَ الرَّجُل فِي وَجْهه فَلْيَقُلْ: (اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَلَا تُؤَاخِذنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاجْعَلْنِي خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ.) 

 فتعلم أن تكون من خيرية هذه الأمة الوسط ، فاعتدل واعدل ولا تشطط ، ومن مدحته بما ليس فيه لن يكون لك ظهيرا عند الله إن حدت عن الحق قولا وعملا.