كنت قد واعدت صديقا لي يوما على زيارته ، وكان السفر قد حال بيننا عامين ، فكنت إليه بالأشواق وكذا هو ، فتواعدنا على يوم بعد صلاة الجمعة ، وقدر الله أن يكون نفس يوم زيارتنا أن يقام حفل في بيت حَمِيه للاحتفال بحفيده لابنته الذي تزوج حديثا ، وعاد مع عروسه من شهر عسل ميمون .

ولمعرفتي الطيبة بحميه اقترح أن نتقابل في بيته ، بل جعله يتصل بي يدعوني على الحفل ، وزاد الأمر تشجعيا أن كان الحمو منزله في بلدة إلى جوار بلدتنا مما سيوفر علي عناء زحمة القاهرة .

وصلت في الموعد المحدد إلى (فيلا) حَمِي صديقي ، وكان قد انتظرني عند المدخل ، فتصفاحنا وتعانقنا وظللنا دقائق نتبادل عبارات الترحاب و المودة.

ثم اصطحبني للداخل فإذا بي في وسط حفل صاخب لم أشهده ، ولم أعتد عليه في حياتي ، ولم يكن مثلي قط ممن يقرب أو يألف هذا النوع من الحفلات .

فعلم صاحبي ما بوجهي من الدهشة والغضب والعتاب ، إذ يعلم أن شجرتي لا تثمر في هذه الأرض ، فأسرع معتذرا متلطفا يقول : " لقد أعددت جلسة لنا في الحديقة الخلفية ."

فحاولت جاهدا أن أتقبل الأمر ، ولشوقي لصاحبي وقدره عندي ، تجاهلت كل ما كان حولي من مظاهر حفل لم آلف مثله إلا على شاشات التلفاز .

وعلى كل حال ، ليس ذنب الرجل ، وانطلقت معه إلى حيث هيأ جلستنا وقد اختارها بعناية ، فجلسنا يقص أحدنا على أخيه أحاديث الزمان وتصاريف الأيام ، وكان الحديث ذا شجون ، فلم نشعر بالوقت إلا عندما جاء حموه يدعونا إلى القدوم إلى ( الأوبن بوفيه) ، فنظرت نظرة استنكار أخرى ، فتدخل صديقي ليعفني من الحرج ، وقال :" أنا سأحضر الطعام هنا ." 

وقام مسرعا ، لكنه ما لبث أن عاد فارغ اليدين ، وخلفه العروسان يصران على أن أحضر إلي المائدة ، وأمام نظرات صديقي الفياضة حرجا ، وافقت وأنا في غاية الهم.

ذهبت إلى المائدة و أنا أبدو كالغرة في وجه البعير الأسود ، أو على النقيض ، وأعددت طبقي في عجالة ومعي صديقي ثم انتحينا جانبا .

ووقفت وصاحبي في ركن في الحديقة إلى جوار ، العم صالح الذي كان يعمل حارسا ( للفيلا) ، وفي مثل هذه المناسبات كان يساعد في عمل الشاي على الفحم ، و إحضار مستلزمات الضيافة ، وكان قد اصطحب ابنته الصغيرة التي لم يتجاوز عمرها ست سنوات .

وبينما الفتاة مشدوهة بتلك الصور السينمائية لعلية القوم ؛ هذا الحفل الذي يعج بأطعمة لم تتصفحها أعيننا إلا في برامج مسابقات الطهي .

مرت الفتاة أمام مجموعة من الضيوف ، كانت قد اصطحبت إحداهن كلبا صغيرا أبيض اللون طويل الشعر ، ربطت في عنقه رباطا أحمر لم تحلم الفتاة بوضعه زينة لشعرها يوما .

وإذا بالكلب اللطيف الوديع ذو اللون الأبيض والملامح الجميلة ، يستكثر على تلك الجويرية الندية هذه الفرحة بذلك المشهد الزائف .

وينتفض الكلب المعتاد على نوع آخر من البشر ، على ذلك الوجه غير المألوف يحاول نهشها .

فانتفضت الفتاة مذعورة تحاول النجاة من عضته النجلاء ، و لكنها اصطدمت بسور صغير في الحديقة ثم سقطت ، وكان من فضل الله أن الكلب مقيد فلم يستطع أن ينال منها.

أسرعت وصديقي إلى الفتاة ، وسبقنا إليها أبوها ، وكان أنفها قد دمي ، والتقطها أبوها بلهفة يمسح عن وجهها البرئ المذعور من كلب ( الهانم ).

المشهد الذي انتزعني وصاحبي خوفا على الصغيرة ، لم يحرك من جمع الحفل سوي أحداقهم الميتة فيها الحياة ، أو التفاتة حركت أعناقهم بزاوية قدرها ٣٠ درجة ، ثم عادوا لحفلهم العامر ، ولم يحفلوا بما فعله كلبهم بابنة ( الغلابة) ، لم يحرك أولئك القوم منظر الفتاة ، ولا لون الدماء ، ولا صرخة الرعب في قلب الصغيرة .

لا يهم رعب الصغيرة ، ولا الدم الذي سال ، المهم أن يظل حفلهم مستمر.

وكان المشهد الأخير ، هو للعم صالح الذي حمل ابنته وهي في رعب وألم في حجره ، وعاد إلى المكان الذي يعد فيه الشاي والقهوة لأهل الحفل ، فالرجل لا يجرؤ _ في ظني _ على الاستئذان ليذهب إلى طبيب ليطمئن على ابنته ، وكانت عيناه تعجان بمزيج من الألم والهم ، والفقر قد لجمه وقيده بقيد من حديد .

وأنا كالمحبوس في كابوس لا يستطيع الخروج منه ، ولا يستطيع الاستيقاظ. 

علمت وقتها لماذا لا يهتم أولئك بما يدور في الدنيا الحقة ، وأن هذا البون الشاسع ليس في المظاهر ولا أنواع اللباس ولا الطعام،  لكن بأمر خفي يسكن في عمق القلب .