تدور بك مواقف الحياة رافعة خافضة ؛ بين ما تشعر فيه بتحقيق الأهداف ، وبين ما تقع فيه ، ثم تقوم مسرعا تتأهب لجولة أخرى ، تغدو حياتك في مجملها مجموعة من النجاحات والإخفافات ، لكنك طالما حققت هدفك الأسمى من الحياة ، إذن أنت إنسان وأنت ناجح.

و تتنوع الأهداف بين ( لقمة العيش) إلى ( قمة العرش) ، فيبذل الإنسان الوسع في تحصل ما وضعه لنفسه ، وارتضى أن يلقى الله به .

ولكن عندما يصل إلى هدفه وغايته المنشودة عليه أن يسأل أولا عما تغير فيه منذ لحظة تحديد الهدف حتى تحقيقه .

وليعد بالذاكرة أيام أو أسابيع أو سنوات ، ثم يقرر ما تغير ، فإن وجد أن حاله على منوال واحد لم بتبدل ، أن ثوابته لم تزل على ثباتها الأول ، فليعلم أنه أدرك الهدف حقا ، وإن كان غير ذلك ، فليبتهج بهدفه المحقق ، وليبكي على نفسه التائهة الضائعة منه في الطريق.

دفعني موقف شاهدته وحضرته عيانًا بيانًا ، شاهدت فيه لم لا صبر لي عليه ؛ كنت في عملي وجاء أحد رؤساء العمل ليتفقد حال العاملين والموظفين ، فإذا به يجد أمرا ، في ظنه أن به خلل _ وهو ليس كذلك _ فسأل الموظف المسؤول ، فبدأ الموظف يشرح أن هذا ليس خللا ، وأن الأمر على خلاف ما يبدو ، وعبسا حاول الموظف وبعض زملائه شرح الأمر لذلك الرئيس ، لكنه أبى إلا اتهام الموظف بالتقصير والإهمال.

إلى هنا تظل الأمور مقبولة على مضض ، لكن ما أتى تباعا ، هو ما لابد لكل حر أن ينكره ، ولكل إنسان بقي في قلبه بعض الإنسانية أن يرفضه ، ولكل مجتمع يريد أن يسلم من أدواء أهلكت أمما قبلنا أن يدفع بكل قوته إلى لفظ ذلك الخلق الذميم والفعل القبيح ؛ بدأ ذلك الرئيس برفع صوته كأنه صوت ( موتور) خرب ، وبدأ ظلما وعدونا وتجبرا بإهانة ذلك الموظف ، الذي حبسه خوفه على وظيفته وقلة حيلته ، وكلما حاول الحاضرون تهدئة الموقف ، كلما زاد ذلك المأفون هياجا وإهانة للرجل .

لحظات مرت علي وفي صدري رعود وبرق اختلطت مع نار بركان ثائر ، أحاول جاهدا ألا أقحم نفسي في خضم مشكلة ليس لي فيه ناقة ولا جمل ، ولكن ما ندعوه إنسانية بقيت في قلبي _ ولله الحمد_ قامت في نفسي كعاصفة اتحدت مع ذلك الرعد و تحالفت مع هذا الرعد ، وامتطت نار ذلك البركان الثائر ، لتخرج في وجه هذا الذي نسي خلقه الأول ، وتجاهل تلك الروح البشرية التي كرمها الله فهو يغشم ويجهل .

كانت اندفاعة عظيمة مني لا أدري سببها ، ولا أعرف حددوها ، كل ما فكرت فيه آنذاك أن أرد هذا البغي ، بقدر استطاعتي .

تحول الأمر بعد ذلك إلى أصوات عالية جمعت أهل المكان ، ليقوم الجميع بعد ذلك بتهدئة الوضع ، ومحاولة فض ذلك الاشتباك الكلامي الذي حمل في طياته التذكير بالله ، والتخويف منه المنتقم الجبار .

لحظات وسكنت العواصف وهدأت ، هنا توجه إلي أحد الأشخاص الذين يعرفون طبيعتي ، أني لست ممن يفتعل المشكلات ، أو ينخرط في شجار أو تلاسن ، ثم وجه إلي السؤال التالي مستنكرا :" ماذا يخصك في هذا الأمر ؟ لماذا تدخلت في مشكلة لا تخصك ؟

فلملمت ما استطعت من كلمات تناثرت مني بفعل تلك العاصفة الساكنة منذثوان ، ثم قلت له وقد ملأني غيظ من قوله :" هل رضيت أن يهان الرجل امامك ؟! هل تقبلت أن تحط من إنسانيته على مرأى ومسمع من القوم؟! مهما كان خطؤه لا يحق لأحد أن يهينه . " ثم اردفت قائلا :" هل شعرت بالإهانة عندما أهان ذلك الموظف ؟!

فقال :" ولم أشعر بذلك ، ولم يوجه لي إهانة "

فقلت عبارتي الأخيرة له :"إذا شعرت بالإهانة ، إذن أنت إنسان وإن كان غير ذلك ، فتوقع أن يحدث معك الأمر يوما ما ، ولن تجد من يتعاطف معك"