رفاعة رافع الطهطاوي : هو رفاعة بك بن بدوي بن علي بن محمد بن علي بن رافع، ويُلحقون نسبهم بمحمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحُسين بن فاطمة الزهراء، من قادة النهضة العلمية في مصر في عهد محمد علي باشا. وُلد رفاعة رافع الطهطاوي في 15 أكتوبر 1801، بمدينة طهطا إحدى مدن محافظة سوهاج بصعيد مصر، يتصل نسبه بالحسين عليه السلام.

نشأ في عائلة ملحوظة من القضاة ورجال الدين فلقي رفاعة عناية من أبيه، فحفظ القرآن الكريم، وبعد وفاة والده رجع إلى موطنه طهطا، كان الطهطاوي في كل أطوار حياته معلمًا ومربيًا بالفطرة والسليقة، بدأ حياته شيخًا يتحلق حوله طلبة الأزهر، وأنهى حياته معلمًا للأمة، لا يرى سبيلا لتقدمها إلا بالعلم يتاح لكل الناس لا فرق فيه بين غني وفقير أو ذكر وأنثى، وبذل من نفسه ما بذل من جهد لتحقيق هذا الغرض، ووضع الكتب والمؤلفات التي تعين على ذلك.

ذهب إلى فرنسا في البعثة التي أرسلها محمد علي لتلقي العلوم الحديثة، فلم تقعد به همته عند حدود وظيفته التي كلف بها، بل سعى من أول لحظة إلى أن يقف على حضارة الغرب وثقافته، وبدأ في تعلم الفرنسية وهو على ظهر السفينة التي تقل البعثة إلى باريس.

وما فعله هذا الشيخ النابه كان وليد قرار قد اعتزمه في نفسه من قبل، بفعل اتصاله بالشيخ حسن العطار الذي تتلمذ عليه وسمع منه عن علوم الفرنسيين الواسعة وفنونهم. وكان العطار قد اقترب من علماء الحملة الفرنسية وأدرك الهوة الواسعة التي اتسعت بين الغرب والعالم الإسلامي في مجال الحضارة والتقدم.

ولم تكن مثل هذه الفرصة تفوت على رفاعة الطهطاوي الشغوف بالمعرفة، المحب للإصلاح، الراغب في الجديد، الداعي إلى الإحياء والتجديد. فانكب على الدرس والتحصيل والقراءة والترجمة، وتحول الإمام الفقيه إلى دارس يتعلم ويبحث، وغدا إمام البعثة أنجب المبعوثين.

ولما رجع إلى الوطن أدرك ما يحتاجه البعث والنهوض فتبنى حركة الترجمة المنظمة، وأنشأ مدرسة الألسن، وبعث حياة جديدة في التعليم والصحافة.

توفى الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي بالقاهرة في 29 من مايو1873.

أصالة فكره

تميز الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي ا ١٨.١- ١٨٧٣ بميزات شخصية متعددة، وليس في ذلك شك، لكن الميزة الكبرى في الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي أنه نظر إلى الجديد بعين أصيلة لم تتنكر لذاتها، ولم تبدأ من الصفر، وهكذا تمكن من أن يحقق من الجديد ظلالًا وارفة لمجتمعه من خلال التأمل والنقد والإعجاب والترجيح والتدبر والتعلم والمفاضلة والتوطين والتمكين والتطوير، وفي أحيان قليلة الرفض والاستعلاء المبررين.

ولهذا السبب فإنه من بين من اتصلوا بالغرب بقي الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي رمزا لكل ما هو حقيقي في النهضة، كما بقي بعيدا عن كل ما هو زائف من مظهريات التقليد أو الاصطناع الحضاري. ونحن نتعارف الآن أو نتفق على أن مصر بدأت نهضتها في القرن التاسع عشر الميلادي وصادفت كثيرًا من النجاح لكنها صادفت من الفشل أكثر مما صادفت من النجاح، وبعد مائتي عام على بدايات هذه النهضة أصبح من واجبنا أن نتصارح عن السبب الحقيقي في النجاح، والسبب الحقيقي في الفشل بعيدًا عن كل الأسباب المقولبة أو الملفقة التي استسهل أسلافنا اللجوء إليها في تشخيص الحالة التاريخية، وفي وصف النهضة التعليمية والعلمية والثقافية.

ذلك أن أول أساسيات النهضة كما نعرف وكما نعلم وكما عرف العالم وسجل هو «الأصالة» ، فلن يمكن لنهضة مصرية أن تتحقق بلا مصريين وبلا هوية مصرية، وهذا هو جوهر القول الفصل فيما قبل ذلك وفيما بعد ذلك في نجاح أي نهضة فكرية و حضارية واستمرارها واتصالها أو توقفها عند بداياتها أو حتى إرهاصاتها .

رجل الإسلام الثابت في موطن غير الإسلام

أثبت الطهطاوي طموحه إلى ما هو أكبر من الوظيفة التي اختير لها، والواقع أنه كان طموحا لإمامة العلم والمعارف على نحو ما كانت إمامته في الصلاة والوعظ للمبعوثين، ولهذا فإنه بدأ تعلم الفرنسية منذ أن ركب الباخرة التي سافر عليها من ميناء الإسكندرية، وفي باريس طلب أن ينضم رسميا إلى سلك المبعوثين الدارسين، فكان هناك إماما في شعائر الدين، وطالب بعثة تفوق على أقرانه من المبعوثين في طلب العلم الحديث واستيعاب الحضارة!

عاش الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي في باريس يستوعب ويراجع، يجمع ويدقق، يعجب ويسخط، يبحث ويدرس، يستنتج ويقرر، يناقش ويسأل في كل شيء مر به، وقد درس نظام الحكم بفرنسا، ونظم الحياة والبناء، والمعمار والعمران، والتوثيق والترتيب، وترجم دستورها وعلق في كتابه «تخليص الإبريز» على مواد هذا الدستور.

أصبح كتاب الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» الذي كتبه في باريس وعن باريس بمثابة رؤية متميزة وانطباعية وصادقة أطلت بذكاء وتفحص ونقد على الحضارة الغربية الناهضة في عصرنا الحديث، وقد كتبه الطهطاوي بوجدان متطلع إلى نهضة أمته، وإن لم يخل كتابه وما سجله فيه من حديث عن غرائب وعجائب الرحلات.

الشيخ المُصلح

وكان الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي يرى بوضوح وعن إيمان أن «علوم التمدن المدني» تمثل العلوم التي نحن أحوج ما نكون إليها، وكان حريصًا على التفريق بين هذه العلوم الطبيعية والبحتة والمحايدة من ناحية، وبين علوم الفلسفة والمجتمع. ومن المعروف أنه كان يقف وجلا وحذرًا، بل ويدعو إلى التوقف أمام الفلسفة الوضعية المادية التي كفرت بالأديان، والتي اعتمدت فقط على العقل المجرد والنواميس الطبيعية في تحصيل المعارف والعلوم.

الإمام الحُر

كان للشيخ رفاعة رافع الطهطاوي ميل فطري، هذبته تعاليم الإسلام، أن يتمنى ازدهار مبادئ الحرية والديمقراطية في بلده، وقد كتب في هذا المجال بروح مؤمنة طامحة مستشرفة لمستقبل أفضل.

ظل الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي يدعو إلى المزاوجة بين العدل والعدالة الاجتماعية، وكان يصف العدل بأنه «أصل عمارة الممالك التي لا يتم حسن تدبيرها إلا به، وجميع ما عدا العدل من الفضائل متفرع منه، وكالصفة من صفاته، وحب النفس خصلة جامعة لجميع العيوب والذنوب، مخلة بالجنس البشري، إلا إذا صحبها حب مثل ذلك للإخوان وأهل الأوطان.

موقفه من المذاهب الهدّامة

أما فيما يتعلق بالفلسفات الاقتصادية والاجتماعية فقد كان الطهطاوي حاسمًا وواضحًا في اعتراضه على مبادئ الاشتراكية الفرنسية، ذات النزعة الوضعية الإلحادية، على نحو ما بشر بها الفيلسوف الفرنسي سان سيمون، وقد عبر بوضوح شديد عن رفضه لفكرة المشاعية والشيوعية أو على نحو ما فهمها بحكم خلفيته الأزهرية من أنها هي المزدكية الفارسية وعند القرامطة القدماء بقوله:

«ومذهب المزدكية يدعو إلى تساوى الناس في الأموال، وأن يشتركوا في النساء، وهو قريب من مذهب القرامطة في أيام الخلفاء، ومن مذهب سان سيمون الجديد بفرنسا، فكل زمان عرضة لخروج أرباب الضلالات من شياطين الإنس، على اختلاف الجنس».

وفي الوقت نفسه فإن الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي لم يكن متحمسًا لفكرة الفردية الرأسمالية في صورتها الليبرالية الأوروبية، وإنما كان يدعو إلى نظام اجتماعي متوازن، لا يهمل معيار ملكية رأس المال أو الأراضي الزراعية.

وفي هذا الصدد كان الطهطاوي يدعو إلى تغليب نصيب العمل على نصيب الملكية في عائد الأرض والصناعات والتجارات، وكان يبرر هذا بقوله: إن منبع السعادة الأولى هو العمل والكد، وإن أعظم حرية في المملكة المتمدنة هي حرية الفلاحة (الزراعة) والتجارة، والصناعة، كما كان يلفت النظر إلى أن العدل هو أساس ما كان يسميه الجمعية التأنسية «المجتمع الإنساني»، والعمران والتمدن.

التنويري المستنير

يُعد الطهطاوي أحد رواد الفكر التنويرى في مصر بعد فترة من الاضمحلال الفكرى والتي عاشتها مصر والتي وصلت لذروات من الجمود الفكرى بشكل خاص في العصور المملوكية والعثمانية في مصر، مما أثر سلبا وبقوة على الفكر في مصر مما ترك أثر سلبيا جدا على الحياة الفكرية في مصر إبان السيطرة المملوكية والعثمانية على مصر.

فقد كان لاتصال الطهطاوي بالفكر المستنير أثر بالغ الأهمية في التواصل العلمي والفكري بين مصر وبين الفكر والعلم في الكثير من الدول في العالم وحركة الترجمة فيما بعد، فإبان إرسال محمد علي باشا للطهطاوي في مهمة محددة أثناء إرسال محمد علي باشا للارسالية العلمية إلى فرنسا، فقد ابتكر الطهطاوي لنفسه دورا آخر في الحياة العلمية والفكرية في مصر فيما بعد والتي تمثلت في انشاء مدرسة الألسن، والتفاعل مع الفكرالمتطور المتنامى في فرنسا اجتماعيا وخاصة فيما بعد الثورة الفرنسية وما حملته من افكار الدولة المدنية الحديثة والقائمة على المشاركة المجتمعية والشعبية في الإدارة والحكم، وهي أحد أبرز اسهامات المفكر جان جاك روسو والمعروفة بنظرية العقد الاجتماعي وغيره من المفكرين الذين كان لهم الإسهامات الكبيرة في الفكر الذي قامت عليه الدول الحديثة في العالم.

وكان للطهطاوي دور في الإسهام في النهضة الفكرية التي عاشتها مصر في عهد محمد علي باشا والذي يعتبره البعض باني مصر الحديثة، فقد كان الطهطاوي من أهم الدعائم الفكرية التي قامت عليها النهضة التي ارادها محمد علي باشا في مصر، فدور الطهطاوي في حركة الترجمة وانشاء مدرسة الألسن كان له الأثر الهام في نمو التطوير العلمي والثقافي مصر من خلال الاطلاع على ما وصلت اليه العلوم والثقافات المختلفة.


كما أن الطهطاوي قد تعرض للعديد من المفاهيم الفكرية والتي قامت عليها الدول الحديثة في العالم والذي ينبني بشكل أساسي على ما يمكن أن يطلق عليه اليوم مبدأ المواطنة والذي عبر عنه الطهطاوي أو ما سمَّاه الطهطاوي «المنافع العمومية» التي تقوم على الحرية والإخاء والمساواة بين أبناء الوطن الواحد».

ثروته

بلغت ثروته يوم وفاته 1600 ألف وستمائة فدان غير العقارات وهذه ثروته كما ذكرها علي مبارك باشا في خططه:

أهدى له إبراهيم باشا حديقة نادرة المثال في (الخانقاة). وهي مدينة تبلغ 36 فداناً.

أهداه محمد علي 250 فداناً بمدينة طهطا..

أهداه الخديو سعيد 200 فدانا..

وأهداه الخديو إسماعيل 250 فداناً..

واشترى الطهطاوي 900 فدان.. فبلغ جميع ما في ملكه إلى حين وفاته 1600 فدان، غير ما شراه من العقارات العديدة .


ومن أعظم ما قدمه الرجل تلاميذه النوابغ الذين حملوا مصر في نهضتها الحديثة، وقدموا للأمة أكثر من ألفي كتاب خلال أقل من أربعين عامًا، ما بين مؤلف ومترجم.

ولا أجد في وصف رفاعة أفضل مما جاء في بيت لأحمد شوقي رثى فيه علي بن رفاعة ؛ الابن الأصغر للطهطاوي، وكان من نوابغ الحياة الفكرية في مصر:

يا ابن الذي أيقظت مصرَ معارفُهُ ** أبوك كان لأبناء البلاد أبـا