ابني حبيبي

يا ولدي

الولد وما أدراك ما الولد ، فلذة الكبد، وبسمة البلد ، الساعد والمساعد والسند، ريحانة الفؤاد وبستان الاراح ، القاضي بضحكته على الهموم والاتراح ، تنسى عند الدخول الى عالمه الحبيب عكر الايام وجفاءها وتستقبل بهاءها وصفاءها ....

كل مصيبة بعيدة عنه هينة لينة ، هو عديل الروح وشريك القلب وخليل النفس والمصطفى دون الحبيب أو قريب

نزرع نبتة صغيرة في حديقة صغيرة ، فنتعدها بالعناية والرعاية ، ننقلها إلى الدفء والشمس حين تحتاج ذلك ، والى الظل والبرد حين تحتاج ذلك أيضا ، نتابعها بالسقاية والسماد والفيتامينات اللازمة لنموها وازدهارها ، ونفرح منها بوردة جميلة أو نفس عاطر، نشعر أنها تضيف لحياتنا لونا زاهيا وألقا جميلا...

لقد تعقدت الحياة في ظل التطور الهائل وعجلة الزمان السريعة تعقدا كبيرا في داخل الاسرة المسلمة بحيث غدت الحاجة الى التخطيط الشامل لتربية أولادنا ... فأولادنا يتعرضون إلى تيارات كثيرة متشابكة . ، لاسيما في ظل العولمة ، تصرعه وتجرفه وتعيق نموه الاسلامي العقلي والنفسي والاجتماعي ، فإن لم نحاول أن ننشئه من أمواجها

الحديث عن أولادنا هو حديث اليوم وحديث الأمس وحديث المستقبل..

الحديث عن أولادنا هو حديث البيت وحديث العمل وحديث الطريق..

سأل معاوية بن أبي سفيان الأحنف بن قيس عن الولد ، فقال : يا أمير المؤمنين أولادنا ثمار قلوبنا ، وعماد ظهورنا ، ونحن لهم أرض ذليلة ، وسماء ظليلة ، وبهم نصول عند كل جليلة ، فإن طلبوا فأعطهم ، وإن غضبوا فأرضهم ، يمنحوك ودهم ، ويحبّوك جهدهم ، ولا تكن عليهم قفلا فيتمنّوا موتك ويكرهوا قربك ويملوا حياتك. فقال له معاوية : لله أنت ! لقد دخلت علىّ وإني لمملوء غيظا على يزيد ولقد أصلحت من قلبي له ما كان فسد.

بهذه العقلية نريد أن نكون في تعاملنا مع أبنائنا ، و أن تكون نظرتنا لهم نظرة إيجابية ، و أن نغدق عليهم من عطفنا وحبنا ، بدلا من الصراخ في وجوههم ، وإعلان الثورة عليهم لأتفه الأسباب ، حتى لا يكتسبوا منا سلوكا غير مرغوب فيه .

فلقد ثبت علميا أن الطفل يتأثر بما يحيط به من الحنو أو القسوة تأثرا عميقا يصاحبه بقية حياته وعمره ويشمل نواحيه الصحية والنفسية ، وكما هو معلوم لدى علماء التربية أن الطفل يولد وليس له سلوك مكتسب ( يولد على الفطرة)، بل يعتمد على أسرته في اكتساب سلوكياته ، وتنمية شخصيته ؛( فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).... لأن الأسرة هي المحضن التربوي الأول التي ترعى البذرة الإنسانية منذ ولادتها ، ومنها يكتسب الكثير من الخبرات والمعلومات ، والمهارات ، والسلوكيات والقدرات التي تؤثر في نموه النفسي -إيجابا وسلبا – وهي التي تشكل شخصيته بعد ذلك ، وكما قال الشاعر أبو العلاء المعري :

وَيَنشَأُ ناشِئُ الفِتيانِ مِنّا عَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ

فكن لهم أرضا ذليلة.. وسماء ظليلة

فقد دخل الأحنف بن قيس على معاوية بن أبي سفيان ويزيد ابنه بين يديه، وهو ينظر إلى ولده إعجابا به فقال معاوية سائلا الأحنف: يا أبا بحر ما تقول في الولد؟ فأدرك الأحنف قصد معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين، هم عماد ظهورنا، وثمر قلوبنا، وقرّة عيوننا، بهم نصول على أعدائنا، وهم الخَلَف منّا لمن بعدنا، فكن لهم أرضا ذليلة، وسماء ظليلة، إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك فأعتبهم، لا تمنعهم رفدك فيملّوا قربك، ويكرهوا حياتك ويستبطئوا وفاتك.

الولد امتداد لأبيه سواءً كان ذكرا أم أنثى، لأن الولد في القرآن مقصود به الاثنان قال تعالى :" فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه..".

ولذلك جاء في الأثر : "لا تقطع ما كان أبوك يصله فيطفأ نورك".

وقال كعب: مكتوب في التوراة، اتق ربك، وبر والديك، وصل رحمك، يمد لك في عمرك، وييسر لك يسرك، ويصرف عنك عسرك.

والآثار في بر الوالدين كثيرة جدا، وقد نص الله في كتابه من خفض الجناح لهما، والحض على برهما ما يكفي.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الولد الصالح من ريحان الجنة ".
ونظر يوما إلى الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، فقال: " إنكم لتجبنون وتبخلون، وإنكم لمن ريحان الجنة ".

ودخل عمرو بن العاص على معاوية، وعنده بنت له، فقال: أبعدها عنك يا أمير المؤمنين، فوالله ما علمت إلا أنهن يلدن الأعداء، ويقربن البعداء، ويورثن الضغائن، فقال معاوية: لا تقل هذا يا عمرو، فو الله ما مرض المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعول على الأحزان مثلهن، ولرب ابن أخت قد نفع خاله.

وقال أحد الحكماء : البنون نعم، والبنات حسنات، والله عز وجل يحاسب على النعم، ويجازي على الحسنات.

وكان لأبي حمزة الأعرابي زوجتان فولدت إحداهما ابنة، فعز عليه، واجتنبها وصار في بيت ضرّتها إلى جنبها فأحسّت به يوما في بيت صاحبتها، فجعلت ترقّص ابنتها الطفلة وتقول:

ما لأبي حمزة لا يأتينا .. يظل في البيت الذي يلينا

غضبان ألا نلد البنينا .. تاالله ما ذلك في أيدينــــــا

بل نحن كالأرض لزارعينا .. يلبث ما قد زرعوه فينا

وإنما نأخذ ما أعطينا

فعرف أبو حمزة قبح ما فعل، وراجع امراته.

وقال محمد بن على بن حسن لابنه جعفر: يابني، إن الله رضيني لك وحذرني منك، ولم يرضك لي فأوصاك بي، يا بني، إن خير الأبناء من لم يدعه البر إلى الإفراط، ولم يدعه التقصير إلى العقوق.

وكان يقال: الولد ريحانتك سبعًا، وخادمك سبعًا، وهو بعد ذلك صديقك أو عدوك أو شريكك.


وكما ذكرنا لما سأل معاوية بن أبي سفيان الأحنف بن قيس عن الولد، فقال: يا أمير المؤمنين أولادنا ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، وبهم نصول عند كل جليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، يمنحوك ودهم، ويحبوك جهدهم، ولا تكن عليهم قفلا فيتمنوا موتك ويكرهوا قربك ويملّوا حياتك.

فقال له معاوية: لله أنت، لقد دخلت على وإني لمملوء غيظا على يزيد ولقد أصلحت من قلبي له ما كان فسد.

فلما خرج الأحنف من عند معاوية بعث معاوية إلى يزيد بمائتي ألف درهم، فبعث يزيد إلى الأحنف بنصفها.

قال على بن أبي طالب: ينبغي لأحدكم أن يتخير لولده إذا ولد الاسم الحسن.
وفي الخبر المرفوع: من نعمة الله عز وجل على الرجل أن يشبهه ولده.

قال عمر بن الخطاب: عجلوا بكني أولادكم لا تسرع إليهم الألقاب السود.

وقال أبو جعفر محمد بن علي: بادروا بالكني قبل الألقاب..وإنا لنكني أولادنا في الصغر مخافة اللقب أن يلحق بهم.

وروي عن قتادة أنه قال: رب جارية خير من غلام، ورب غلام قد هلك أهله على يديه.

روى عن النبي صلى عليه وسلم،أنه قال: " ما نحل والد ولده خيرا من أدب حسن".

وروى عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "من عال ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات أو ابنتين أو أختين كن له حجابا من النار، فإن صبر عليهن حتى يزوجهن دخل الجنة.


كان يقال: من بلغت ابنته النكاح فلم يزوجها فزنت فعليه مثل إثمها، وإثمها عليه.

وكما لا يصبح الجسد بلا رأس .. لا تصلح المرأة بغير زوج.

ما أجل الكلمات الدافئة التي امتزجت بكل معاني الإخلاص عندما تخرج من قلب أغلى الناس وأحن الخلق وأعطف البشر .. «الوالد» الذي فطره الله تعالى على حب دفين لأبنائه لا يعرف المصانعة ولا التملق ولا النفاق، إنها الكنوز الحقيقية والنصائح النورانية التي يكون الولد في أمس الحاجة إليها لقلة خبرته وضعف حيلته وندره الناصح المشفق.


نصائح يحتاج الناس في هذا الزمن الموحش، فهي تضم كافة الموضوعات التي يهتم بها الكبار والصغار، يقدم النصائح من خلال مقولات من الأب لابنه، الذي يخاف عليه من الضياع، في زمن كثرت فيه المفاسد، يصح النصح خبرة الأب في الحياة بين يدي ابنه.

أن يعطي الأب الناصح لسجيته حريتها، فلا يرغمها على فعل ما لا تحسنه. يراعي الأب الناصح طبيعة العلاقة التي تربطه بولده ونفسية الابن الذي يعالجه: فإن كان علما رام الدقة في التعبير واختار اللفظ الواضح القاصد إلى المعنى المراد، وإن كان أدبا غلب المجاز على الحقيقة، واستبدل المبالغة بالدقة..
أما إن كان موضوع كتابته وعظا ونصيحة فليختر الاختصار، وجوامع الكلم حتى لا يمل المخاطب: فالنصيحة صعبة على النفس، والشيطان قريب من المنصوح في حال النصيحة..