ابني وحبيبي

لأن حالنا اليوم كحال اليتيم الضائع الجائع؛ إذا لم يسع لنفسه مات، فإذا قصرنا في العمل لديننا، ووجهنا سهامنا إلى صدورنا؛ فمن ذا يقوم على ثغر أمة الإسلام؟ أمن يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم؟ أمن يقولون: إنا معكم حتى إذا خلوا بأسيادهم قالوا: إنما نحن مستهزئون؟ أمن يمنعون الماعون، ويداوون الحمى بالطاعون، ويترصدون بالأمة الغوائل؛ يرقبون الخلس، ويدرعون بالغلس؟ إن كان ذلك فقد وهى السقا، وأهرق بالفلاة الماء، واتبع الدلو الرشا، وهلك الناس من الظما، ولم يبك ميتٌ ولم يفرح بمولود.

ابني..و حبيبي

الشعور بالمسئولية أكثر شيء نفتقده في مجتمعاتنا، فنحن قد اعتدنا ولا نعرف سوى أن نرمى تخلفنا وتراجعنا لقادتنا، والامر خلاف ذلك والحقيقة أن المسئولية تقع علينا جميعاً فنحن نحتاج إلى جيل واعً لنتقدم فلا يكفي رئيساً حنكاً، فيداً واحدة لا تصفق، وإن كان الشعور بالمسئولية صفة تحتاج إلى البيئة والتربية الصحيحة لتنمو مع الإنسان كان علينا أن نهتم بهذا الجانب، فكثيراً ما يتجاهل الوالدين أطفالهم ويتركونهم طي النسيان فكأن كل ما يحتاجه الطفل هو ملئ معدته ومسكنه وملبسه تحصيله العلمي، أنه يحتاج إلى أكثر من ذلك، يحتاج إلى والدين يعينان مسؤليتهما نحو طفلهما، مدرسون يعون أن مهنتهم لا تقتصر على التعليم بل التربية والتعليم معاً.

والتجاهل أو الافراط في العناية كلاهما داء وخير الأمور أوسطها، وإن أقل خدمة يقدمها الوالدين لنفسيهما أن يكونا مستعدين لأستقبال أطفال يبذلون جهديهما لتنشئته فرداً صالحاً للمجتمع وليس مجرد ديكوراً للعائلة، أو حيوان أليف نربت عليه بين الحين والأخر، أو روبوتاً لا نرضى منه غير تنفيذ الأوامر، فياليت لو الأباء والأمهات يسدون إلى البشرية خدمة تثقيف نفسيهما بالقدر الكافي لتربية أولادهم.

بني الحبيب|

لا أقسم بالنفس اللوامة

إن اللوم يعد جزءاً من العملية الإصلاحية الاجتماعية والتي تشمل المظاهر السلبية مثل : النقد والعقاب والجزاءات والاستهجان. وإن الرؤية العملية تؤكد أن اللوم يفيد في كل من الإشارة للخطأ وأيضاً تشجيع الخضوع والامتثال لقواعد السلوك المقبولة والمعروفة. هذا ويعد النقد البناء والواقعي من الأمثلة الجيدة التي يمكن أن تساعد في تشكيل السلوك البشري.

فالشخص الذي يصل متأخراً إلى اجتماعه يلقي باللوم على إشارات المرور فإذا كان هذا الشخص قليلاً ما يتأخر فإن عذره سوف يقبل أما إذا كانت أعذاره واهية فإن هذا غير مقبول.

وقد يكون اللوم ضرورياً في بعض الأحيان فهناك بعض الأفعال التي تصدر من أشخاص بعينهم تجعلنا نلقي باللوم عليهم ونحملهم المسؤولية، وفي أحيان أخرى فنحن قد نبالغ في تقدير حجم الخطأ ونبرهن على ذلك من خلال تضخيم اللوم بشكل يفوق حجم الخطأ المرتكب.

هذا وتبرز خطورة مدلول اللوم في ارتباطه بإدانة الأفراد ذاتهم أكثر من إدانة السلوك الخاطئ الذي قاموا به، أما اللوم السلبي فهو احد أوجه اللوم المثيرة للضيق و الغضب حيث يتعمد الأفراد بشكل خاطئ لوم الآخرين للهروب من المسؤولية أو لإضفاء صفة غير عادلة عليهم.

قد يلجأ الكثير من الأفراد إلى اللوم من اجل تزييف الحقائق ويظهر ذلك بوضوح من خلال أساليب المبالغة والتعميم في إطلاق الأحكام والآراء الضمنية غير الواضحة والسؤال في غير موضعه ورؤية الحياة من منظور واحد إما أبيض أو أسود.

إن الأفراد الذين يتعاطفون مع أقرانهم أقل احتمالاً من الدخول في دائرة اللوم وأنشطة العنف كما ان القدرة على الفهم والتسامح تقلل من أشكال اللوم الضارة. تلك الحالات الذهنية المختلفة يمكن تدريسها وتعلمها ونقلها أيضاً

إن جملة “أنا المخطئ” تحمل في مدلولها معناً كبيراً، ذلك أنه من الشجاعة أن تعترف بأنك مخطئ حتى تزداد ثقتك بنفسك ومن ثم تزداد مصداقيتك لدى الآخرين.

إن فهم الأخطاء ونقاط الضعف البشرية يُعّد فعلاً حكيماً يفوق حالة التنكر لها

بعض الأفراد يعترفون بحالة “النسيان”، على الرغم من ذلك نجدهم يلومون الآخرين على فقدان الأوراق والمفاتيح والملفات، وغيرها من الأشياء التي هي في الواقع أخطائهم الطبيعية التي يستحقون اللوم بشأنها، إنه من التناقض أن نتعرف بالنسيان ثم نرفض عمل معادلة بين النسيان والأشياء المفقودة، فعندما يحدث شيء ما ونلوم الآخرين على الأشياء المفقودة ففي هذه اللحظة نفكّر ونقول “لم أستطع السيطرة على النسيان

إن اللوم الذاتي يظهر بشكل ملائم عندما ترتكب خطأ ما، هذا ويعد اللوم الذاتي من المثيرات التي تعمل على تحسين السلوك أو تصحيح الأفعال، لكن بعضنا يذهب بعيداً جداً عندما يقومون بلوم أنفسهم في المواقف التي تكون فيها قدراتنا محدودة أو لا نملك التحكم في أنفسنا.

النقطة الإيجابية في هذا الصدد هي ان الأفراد الذين يخصون أنفسهم باللوم لديهم قدرة فعالة لإحداث تغيرات إيجابية أكثر من أولئك الذي يرون أنفسهم بلا عيوب بينما يلومون الظروف الخارجية على مشاكلهم.

نستنتج ما سبق بأن مفهوم سلة التفاح* ينطبق على الذات بنفس الطريقة بمعنى أن لوم ذاتك على العيوب والأخطاء يولد لديك نفس الإحساس بالتخلص من سلة التفاح بسبب الكمية القليلة الفاسدة. من خلال حالة التنمية الذاتية تلك، يكون من البديهي أن “تفاحة واحدة فاسدة تفسد كل التفاح” تفكير خاطئ.

  • افترض أن لديك سلة مليئة بالتفاح بعضه كان فاسداً، هل ستتخلص من كل التفاح بسبب الكمية القليلة الفاسدة. إن مفهوم سلة التفاح يمكن أن يساعد في وضع اللوم الذاتي داخل شكل منظوري محدد، لا يوجد فرد على وجه الأرض بدون نقائص أو عيوب إلى جانب مجموعة من الإيجابيات والصفات الحميدة .. بدلاً من الغرق في اللوم تحرك لتتغير.

يقول شكسبير متأملاً “إن العالم ما هو إلا مرآة تعكس تعبيرات الوجه لكل إنسان فعندما تنظر إليها بعبس فإنها ترد هذا العبوس إليك، وعندما تضحك لها ومعها فإنها تبدو كرفيق سعيد”.