يا بني

إن الدين الاسلامي ليس سببا للتطرّف في ذاته، والإسلام دين الله الذي أكمله وأتم به النعمة ورضيه لنا، ومشكلتنا هي في الجهل ابتداء، وإن لم يكن الجهل فهو سوء الفهم الذي أدى بالفرق الإسلامية قديما أن تظهر وتتعصب وتقسّم الأمة، وهي الأهواء التي تحرك الناس وتدعوهم إلى ليّ أعناق النصوص، وإلى أن يكون الدين تابعا، والقرآن تابعا، بدل أن يكونا متبوعين، فالقرآن إمامي وأمامي، وحينها سيقود صاحبه إلى الجنة، ولا يمكن أن يكون تابعا خلفي، فحينها سيسوقني إلى النار.

لقد تغنّى كثير من المسئولين وصرحوا بأن الدين هو سبب للتطرف والإرهاب،ولابد من تجديد الخطاب الديني ، ودعاوى التنوير، وإذا أحسن بعضنا الظن أنهم لا يقصدون الدين بشكل مباشر، بل فهم بعضنا للدين، ولكن الحقيقة هي أن قراراتهم التي قد صدرت لا يمكن إلا أن تؤدي إلى ضعف أثر الدين في النفوس، بل إلى استهزاء الناس بالهيئات الدينية وبالدين بشكل مباشر، وبالتالي تؤدي إلى تحييد الدين عن الحياة في كل الأحيان وفي جميع المجالات، وهذا أمر مستحيل ابتداء، وهو الذي يوجد التطرف الذي نخشاه، والذي حذّر منه الدين نفسه...

للتطرف أسباب حقيقية ينبغي البحث عنها بحياد، وهو أنواع كثيرة يرجع بعضه إلى الدين حين يساء فهمه، وله مظاهر عملية ينبغي التحذير منها في البيت والمدرسة والجامعة والمسجد والإعلام، بل في تصرفات المسؤولين وقراراتهم، وينبغي أن تتكاتف الجهود لنضع النقاط على الحروف في شأن العلاج وتحصين المجتمع من هذه الظاهرة ومظاهرها النظرية والعملية، ولا يمكن أن تكون هذه في أجواء الاضطهاد والتشكيك بالدين ابتداء وقدرته على التأثير في الناس إيجابا، فهنا تكون الكارثة، وهنا نتوقع الكثير من ردات الأفعال السلبية، أو الجيوب الفكرية المنحرفة، وهي أخطر ما يهدد مجتمعاتنا

ولقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث عن أيام ستأتي، وما سيجري فيها، وهي أخبار من دلائل نبوته، وذكر من ضمنها الانخداع بالمظاهر، والحكم على الناس بالمظاهر أيضا، وذكر الرويبضة روى الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما عن أبي هريرة وانس بن مالك وغيرهما: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: [ستكون، أو قال: سيأتي على الناس، أو قال: قبل الساعة، أو إن بين يدي الساعة.. سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة".. قيل: وما الرويبضة؟ قال: "الرجل التافه يتكلم في أمر العامة]. وفي لفظ عند أحمد "الْفُوَيْسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ)

(وفي رواية )

الرجل السفيه يتكلم في أمر العامة

هذا الحديث علم آخر من أعلام النبوة، وخبر صادق من الذي لا ينطق عن الهوى، وإخبار بغيب لم يقع كيف يقع حين يقع، وهو واقع لا محالة، وقد وقع كما أخبر ووصف صلوات ربي وسلامه عليه.. والأمر كما قال تعالى: {وما ينطق عن الهوى , إن هو إلا وحي يوحى}.

فبين صلوات الله وسلامه عليه أنه بين يدي الساعة تتغير الأحوال، وتتبدل المفاهيم، وتنقلب الموازين.. ويعيش الناس في خديعة كبيرة، لا يعرفون صادق الناس من كاذبهم، ولا أمين القوم من خائنهم.

إن الكلمة الرئيسة في حديث رسول الله هذا هي الخداع، خصوصا إن وصل الأمر إلى سياسة الناس وتدبير شؤونهم، فالأصل التنقيب عن سيرة أي شخص يتولى شأن العامة، فالولاية في الإسلام صغرت أم كبرت فهي مسؤولية، وهي تكليف وليست تشريفا، هي أمانة، ويوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها. ومن هنا كان سلفنا عموما يهربون من المسؤولية، وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرد على الذين اقترحوا عليه تولية ابنه عبدالله، وهو أهل للخلافة، علما ووعيا وإدارة، فرد عليهم أنْ يكفي من آل الخطاب واحدا في النار، ويعني نفسه رضي الله عنه

وحين تصبح المسؤولية تشريفا وبلا مضمون أخلاقي قيمي حينها تكون الطامة الكبرى على الناس، وتضيع كثير من الحقوق، ويختل بنيان المجتمع والوطن، ويستهزئ الناس بالحال عموما، فمن ليست له مبادئ تردعه، فلن يكون له هدف نبيل يسعى إليه، وسيغلب عليه المظهر على حساب الجوهر، وبعبارة أخرى هو تافه لا يملك ثقة بنفسه وليس له همّ عام يسعى لتحقيقه، فهو أحقر من أن ينظر أبعد من أنفه، لأنه صغير في ذاته، متشكك من أمره، وأنّى لهؤلاء أن يقودوا فكرا أو يحققوا مصالح لأمتهم ووطنهم، ففاقد الشيء لا يعطيه، وهذا الصنف عالة على المجتمع، ومعيق لحركته الإيجابية....

لماذا يا بني نسمح لأنفسنا وفي مجتمعاتنا أن يكون الخداع هو المسئول؟!

لماذا يا بني نسمح لأنفسنا وفي مجتمعاتنا أن يُصَدَّق الكاذب ويُكذَّب الصادق، ويُؤتمن الخائن ويُخوَّن الأمين؟!

ولاشك أن السبب واضح وهو ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه حين قال: وينطق فيها الرويبضة، وهو الرجل التافه يتحدث في أمر العامة، فمن مكّن لهذا الرويبضة؟ ومن أعطاه الحق في أن يتحدث وينظّر ويخطط لأمر العامة، وهو تافه لا يملك علما ولا خبرة ولا سيرة حسنة ترتقي به؟

حين ينتقص بعض الأشخاص من شأن الدين مثلا، وينسى هؤلاء أن دينهم بريء من كل ما يحاول أعداؤه إلصاقه به، ويسعى هؤلاء إلى القرارات التي من شأنها في النهاية أن تضعف شأن الدين في المجتمع، حينها نتساءل: أين عقول هؤلاء؟ وأين فهمهم وشهاداتهم وخبراتهم التي تغنّوا بها؟ أليسوا رويبضات حين عطّلوا عقولهم وساروا بلا هدى ولا مشورة ولا بعد نظر، ليهدموا صرح الوطن، علموا ذلك أم لم يعلموا؟ أما كان بإمكانهم أن يحاوروا ويراجعوا ويستشيروا، بدل أن تُملى عليهم أحكام وقرارات ليس لهم فيها إلا التنفيذ، ولو كانت ظالمة أو على الأقل خاطئة؟؟؟؟

أعجب من إنسان ذي خبرة إدارية، ولكنه يؤثر الموقع أن يبقى فيه على حساب الحقيقة، وهو بذلك قد خان الله ورسوله والأوطان، ورضي لنفسه أن يكون في الدون، ولا يُذكَر إلا في السياق السلبي، لأنه لم يثبت جدارة، ولم يكن صاحب مبدأ، بل تحركه الأهواء، وتضيع شخصيته بمجرد رغبة سيّد هنا وهناك، وربما يظن نفسه بعيدا عن ملاحظة الناس له، ولا يدري أن الناس أوعى منه بكثير، فهو لم يعتصم بالله ابتداء، ولم يرض ضميره ولا سعى في مصلحة الناس، وربما وسوست له نفسه بأنها المصلحة! ومثل هذه الأمور لا تقررها نفس أمّارة بالسوء، بل رأي أحرار ذوي إرادة وحسن إدارة، لا من أصحاب الأيدي المرتجفة، والألسن المترددة، وأصحاب الأهواء.

ما الذي جعل الخائن يُؤمَّن، والأمين يخوَّن، والكاذب يصَدَّق، والصادق يكذَّب؟ إلا اختلال الموازين وضياع القيم وتيه البوصلة، ولا يمكن أن يكون الكاذب إلا معروفا، والمخادع والخائن أيضا، فلمَ يقدَّم هؤلاء ويتأخر أولئك؟ إلا أن فسادا عريضا يراد له أن يعم، ومصالح حقيقية يراد لها أن تزول، مما يرفع شأن الإنسان والأوطان، ويرتقي بالأمة كلها نحو القيم الحقيقية والتفوّق الحضاري وسعادة الإنسان.

اختلال عام

يا بني الحبيب

إنه لم يخل زمان من تصديق كاذب أو تكذيب صادق، أو ائتمان خائن وتخوين أمين..

فقد كان فرعون صاحب أكبر كذبة في الوجود، عندما قال للناس أنا ربكم الأعلى، ودعا الناس لعبادته، وزعم أنه يريد الخير لهم والصلاح، وكان موسى أصدق من مر على أهل مصر وبني إسرائيل، وأنصحهم وأخلصهم لهم.. ومع ذلك صدق الناس فرعون وكذبوا موسى..

وكان مؤمن آل يس أكثر قومه أمانة لهم ونصحا لهم، حين أمرهم أن يتبعوا المرسلين، ونصحهم بطاعة رب العالمين...

فقالوا عميل خائن، تعمل لجهات خارجية، وتتآمر لقلب نظام الحكم، وقتلوه.. فما زال ينصح لهم بعد موته {قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين}. فخونوه وهو الأمين، وكذبوه وهو الصادق.

فما خلا الزمان من تأمين خائن وتخوين أمين، ولا تصديق كاذب وتكذيب صادق...

لكن الذي تحدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم شيء غير هذا.. إنه اختلال تام، وانتشار الأمر وفشوه، حتى يصبح سمة عامة وعلامة مميزة لأهل ذلك الزمان.. فيتجلى الكرب، ويدلهم الخطب، وتكثر الفتن والبلايا، وتعظم المحن والرزايا....

إنه واقع أقرب ما يكون لواقعنا، ليس على مستوى بلد أو وطن، بل على مستوى الأمة بأكملها، أمة العرب، وأمة الإسلام

انظريابني إلى الأحداث والوقائع، واسمع إلى الإعلام، وتابع؛ لترى الأهوال وانقلاب الموازين وتغير الأحوال على جميع المستويات.

فالصادق الأمين يقال عنه كاذب خائن. والكذاب الأفاك، يقال أمين صادق.

والناصح المخلص يسجن ويهان ويدان.. والعميل الخائن يصفق له ويرفع ويصان.

المؤمن التقي إرهابي متخلف.. الفاجر الفاسق الشقي، إنسان شريف ومواطن صالح.

المرأة العفيفة المتسترة يخوف منها ويحذر، والعارية المتبذلة المتفسخة داعية تقدم وتحرر.

أمة تشتكي
إن الأمة في مجملها تشكو هذا الحال.. ولست أنا فقط من أشكوه، أو بعض المخلصين، ولكن أصبح الحال كما قال بعضهم:
ما أنا الشاكي ولكن أمة .. .. أصبحت تشكو كما يشكو اليتامى
تبصــر الشر ولا تنكره .. .. وعن المعــروف ـ جبنا ـ تتعـامى
وتداري كل أفــاك ولــو .. .. بث في أبنائــها الــرأي الحــرامـا
وترجي من أعاديها الهدى .. .. وتواليــهم قضــاء واحتــكــامـا
كم صفيق الوجه صفقنا له .. .. وسفــيه قـــد جعــلنـــاه إمـام
ــا
وشريف القصد شهرنا به .. .. وظــلمــناه اعـتــداء واتـهــامــا