لاشك أن الإسلام هو سبيل الأمة الإسلامية ـ وكل البشرية ـ إلي الحياة الراشدة الهانئة، هذه حقيقة ..

ولكن الإسلام لا يقود إلي هذا النوع من الحياة إلا إذا جرت خطوات عرضه وتطبيقه حسب منهاج واضح وترتيب محدد .

ومن هنا فإن من أكبر التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية ـ فيما نري ـ هو التحدي الذي يطرح الإسلام كمعادلة فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية، في " مواجهة " المعادلة العلمانية التي تريد إبعاد الأمة الإسلامية عن خط الإسلام لتُقَربها إلي خط الكفر !!.

وهذا التحدي ليس " أبحاثاً " أو " رسائل " نظرية " ميّته" مدفونة في مقابر تسمي " الكتب "، وإنما هو أبحاث ورسائل تحمل " جنين " العمل الإيجابي الذي يظهر في صورة " بديل " واقعي يمتلك " الإستراتيجية " الواضحة لتحويل الأهداف الذي يسعي إليها إلي " واقع " حيّ يحكم الحياة، ويخطط لها بالوسائل القوية التي تواجه العقبات وتتخطي الصعوبات، وتزيل الحواجز عن طريق الأمة الإسلامية لتفسح لها المجال إلي " الريادة البشرية " من جديد .

لذا وجب على المسلمين في جميع مجالاتهم إعطاء رؤية صحيحة مبنية على العلم، ومنها التأصيل لمفهوم السياسة الشرعية وتقريب مفهومها لكل المسلمين قاطبة؛ لندرك ما إذا كنا نخطو نحو التقدم لأمتنا أم أننا نضيع مجدًا تليدًا صنعه أجدادنا عبر قرون عدة، كما أننا نفرط في حق الإنسانية أن تسير وفق المنهج الرباني الإلهي في التشريع، وهل يستطيع العبد أن يشرع كالإله؟! هذا في أمور التشريعات الربانية من الحلال والحرام المنصوص عليها في أبواب التعامل في الفرد والمجتمع وتدبير أمور الناس، ومردها جميعًا إلى الكليات مثل: التوحيد ضد الشرك ، والسنة ضد البدعة ، والطاعة ضد المعصية ، العدل ضد الظلم، وبمعنى أشمل الاسلام ضد العلمانية والالحاد، والسياسة كلها تقوم على المصالح المرسلة، وتحتاج إلى عقول تضبط هذه المصالح في كل عصر ومصر؛ ولكي لا نوغل في " حلم " الريادة البشرية علي حساب " حقيقة " التبعية، أو نهرب من مواجهة " واقع " الاستضعاف بالانغماس في " خيال " التمكين، لابد أن نحزم أمرنا ونعد عدتنا، ونَجدّ السير في طريق إخراج الأمة الإسلامية وحتى لا تستباح أمتنا .. لابد من :

1- المفاصلة الإسلامية :

لقد كان الاستعمار القديم يستعين بقواته العسكرية لقهر شعوب المستعمرات، أما الاستعمار الجديد ليست لديه الحاجة في استخدام القهر العسكري، بعد نجاحه في اختيار عملائه من النخبات " الوطنية " التي أُشْرِبت في قلوبها ثقافة الاستعمار، وصنعها لنفسه وتربت علي يديه ن ونشأت في كنفه ورعايته .. ثم وقفت تحت راية " الوطنية " وتخفت وراء لافتة " الإسلام " لتقوم بمؤامرة " التباس " الحق بالباطل التي تفتن الأمة عن دينها، وتمزق وحدتها وتشتت شملها ن وتُجد فيها الثغرات التي ينفذ من خلالها العدو ليحطم قواها ويستنزف طاقاتها ..

لقد نجحت أعداء الأمة الإسلامية عبر النخبات الوطنية، من مزج الإسلام بالأفكار الغريبة عنه من " علمانية " و" قومية " و"وطنية " وغيرها، ليلتبس علي الأمة أمر دينها، وليصبح الإسلام الواحد بعقيدته ومبادئه وتشريعاته اسماً متعدداً بتعدد ألوان مؤامرة " الالتباس " التي تصد الأمة عن سبيل الإسلام الحق.

ومن هنا لا يمكن منع الانزلاق في القصعة المستباحة لابد من انطلاقة قوية بإقامة " المفاصلة " التي ترفع "الالتباس" وتسْقِط اللافتات الخادعة التي تتواري خلفها العلمانية، فيتمايز الناس إلي فسطاطين : فسطاط نفاق لا إيمان فيه، وفسطاط إيمان لا نفاق فيه .. وعندها تخرج الأمة الإسلامية من حالة التذبذب واللبس إلي الانحياز إلي دينها وشريعتها، والانتصار لإسلامها من كل أعدائها .

2ـ الحفاظ على الهوية الإسلامية :

حيث تُشكّل الهوية ـ في أية أمة ـ الحافز والدافع الذي يدفع الأمة في طريق التقدم والحضارة، ويقاوم في ذات الوقت الاجتياح الحضاري للأمم الأخرى .. فما هي هويّة الأمة الإسلامية ؟

لاشك أن الإسلام " وحده " هو هويّة الأمة الإسلامية، ومحور اجتماع أفرادها، والقوة الدافعة التي تفجر طاقاتها وتقوي وقفتها في مواجهة كل أعدائها .

فماذا فعل الحكام العملاء بهوية الأمة الإسلامية ؟

لقد قام هؤلاء العملاء من بني جلدتنا بإبعاد الإسلام كهوية للأمة الإسلامية، وزعموا أن طريق " تجديد الخطاب الديني " للأمة هو " إحياء الهوية الوطنية " و" المشروع القومي المتجدد " !!

فأمّا " الهوية الوطنية " فقد فرّقت الأمة الإسلامية إلي كيانات جزئية ومجتمعات منفصلة وأصبح الفرد في ظلها بعاني من " الاغتراب " و" فقدان الانتماء " للأمة، فانعزل داخل همومه الفردية واهتماماته الذاتية، .. وتحولت المجتمعات الإسلامية إلي " ركام " من الأفراد لا يربطهم خيط جامع .. ووصلت الأمة إلي المعادلة الصعبة : وطن بلا مواطنين، ومواطنون بلا وطن !!.

وأمّا " المشروع القومي المتجدد " الذي تحاول العلمانية من خلال تجديد الخطاب الديني و إيجاد الهدف المشترك الذي يشد أفراد الأمة بعضهم إلي بعض .. فقد أثبت واقع الأمة الإسلامية فشله، لن هذا المشروع " المفتعل " يخبو ويظهر، ويقوي ويضعف، .. وعند ضعفه تبدأ ظواهر " الاغتراب " و"فقدان الانتماء " في الظهور، وتقل مشاركة الأمة، فيتحكم الرعاع والسفهاء من خلال نظم استبدادية متعسفة تقوم بتفريغ شامل لكل قوي الأمة، فتصل إلي التبعية الذليلة للأمم الأخرى ..

.. وعندها تكون الوثبة القوية والانطلاقة الحضارية الكبرى التي تحطم الأغلال التي وضعها الأعداء علي الأمة الإسلامية .

3ـ المنهج الإسلامي التربوي الشامل :

يتأسس بنيان المشروع القومي العلماني علي شفا جرف هار من مفاهيم الغرب الكاثوليكية عن الدين، والتي تجعل الإسلام مجموعة من الطقوس والشعائر لا علاقة لها بشأن من شؤون الحياة !!

ومن هنا كان تعامل زعماء العلمانية مع مشاكل الأمة الإسلامية وأزماتها الحضارية، تعاملاً ناقصاً يشوبه الاضطراب والعجز .. وما ذلك إلا لأن هؤلاء الزعماء يحاولون معالجة " كل " أزمات الأمة ومشاكلها بـ"جزء " من الإسلام !!.

ومن هنا فإن الخروج من القصعة المستباحة لابد أن يكون الاسلام منهاجاً للتغيير الكامل والجذري، ويقوم بمجابهة الأزمات الحضارية للأمة والانتكاسات الفردية والاجتماعية عبر " خطاب إسلامي شامل " يهتم بالجانب العقيدي والتشريعي والسلوكي اهتماماً متوازناً ومتعانقاً، ويعالج السقوط العقائدي والاجتماعي والأخلاقي علاجاً شافياً ..

ولكي يحقق الخطاب الإسلامي الشامل أهدافه في تغيير " الإنسان " و "إحياء الأمة "، لابد أن تتحول كلماته إلي منهاج تربوي شامل يعمل في إطار من "الشمولية " و " الواقعية " و " التدرج " علي إخراج " العبد الرباني " الذي يكون هو " المثال " الإنساني القادر علي حمل رسالة الأمة الإسلامية والجهاد في سبيلها .

إن الأمة الإسلامية لا تستطيع حمل رسالتها وإخراج من شاء الله من عبادة العباد إلي عبادة الله وحده، ومن ظلمات الجاهلية إلي نور الإسلام، إلا برجال من رجالها يبلّغون دعوة الله،باقمة السنة ونبذ كل بدعة ويؤدون أمانته ويقاتلون بمن أطاعهم من عصاهم حتي يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده ..

ولاشك أن السبيل إلي بناء هذا الصنف من الرجال هو المنهج التربوي الإسلامي العميق الذي يصفّي عقائد الأمة وإطارها الخلقي من العوامل القتّالة والرمم التي لا فائدة منها، ليصفو جو الأمة للعوامل الحية والداعية للحياة، فيتم إحياء الأمة، وتعود إلي حمل رسالتها من جديد .