4ـ تحرير الأمة المسلمة :

تقوم الأنظمة العلمانية علي أساس من مصادر " حرية " الأمة وحقها في اختيار حكامها، بل وحقها في بناء حياتها .. ولذلك يكون الحكم فيها من نصيب " الحاكم " الذي يمارس التسلط والتحكم في جماهير الأمة، ولا يسمح لهم بأدنى مشاركة له، مستخدماً في ذلك شرطته وأجهزته ومخابراته ..

وفي ظل عنف الحكام في معاملة خصومهم السياسيين، وإرهابهم لكل من يعارض أمراً يهمون به .. في ظل ذلك تخلي أكثر الأمة عن " واجب " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنسبة للحكام، وآثروا العافية يأساً من الإصلاح، ورغبة في إصلاح الذات !!

وهكذا، أصبح " الخضوع " لأوامر الحكام مهما كانت " واجب " عند أكثر أفراد الأمة، كما يدق الناقوس علي الفور بمجرد ضغط الزر واتصال التيار .

وفي ظل هذا الواقع، لابد أن نؤكد أن المسئولية عن الإسلام هي مسؤولية كل من شهد أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله علي تفاوت في الدرجات بتفاوت الاستعدادات، والقدرات، والمواقع، والظروف .. وأن العمل الإسلامي هو جهاد " أمة " وليس جهاد " حزب " أو " جماعة " أو " تنظيم " .

ومن هنا فإن " تحرير الأمة المسلمة" هو العلاج الحاسم لطغيان الحكام، والوقاية الحقيقية لكل المسلمين من نماذج الأنظمة الطاغية التي تُخْرِجها العلمانية، والتي يراد بها حرق " المستضعفين " من المسلمين في أتون الظلم والقهر والاستعباد .

إننا إذا أردنا للأنظمة العلمانية التلاشي، وللخندق العلماني الاندثار، فإن طريقنا إلي ذلك هو " تحرير الأمة المسلمة " ذات الشخصية الثابتة والصبغة الواضحة والراية المتميزة .. الأمة المسلمة التي تتمتع بـ " المناعة السياسية " فلا تصبر علي ظلم الملوك ولا تقبل استبداد الرؤساء، بل تُدْرِك أن لها دوراً في ترشيد الحكم والرقابة علي أعمال الحاكم وعدم الرضا منه بمخالفة ما أنزل الله .

فإذا وجدت هذه الأمة، فإنها قادرة بإذن الله علي أن تجرف في طريق جهادها كل الأنظمة العلمانية " الورقية"، وتلقي بها في مزابل التاريخ .

5ـ الصفوة تقود الأمة المسلمة :

يضع الإسلام لقيادة الأمة الإسلامية شروطاً دقيقة ومواصفات خاصة . وتؤكد الأصول الإسلامية أن "أولي الأمر " الذين قرن الله في قرآنه طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله في قوله عز وجل : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}.. هم " العلماء والأمراء "، وليس الأمراء والحكام وحدهم .. بل إن أكثر المفسرين يرون أنهم " العلماء " وحدهم .

ولاشك أن هذا الاهتمام بأمر القيادة في الأمة الإسلامية، يرجع إلي أن الأمة التي يقودها ويتولي زمام أمورها " فقهاء " و"أولو ألباب " تتقدم وتنتصر، ..أمّا الأمة التي يتولي زمام أمورها " خطباء " لا يحسنون إلا التلاعب بالمشاعر والعواطف .. فإنها تبقي تتلهي " الأماني " حتي إذا جابهت الأزمات لم " يفقه ط حكّامها من "الخطباء " ماذا يصنعون ؟ ..وآل أمرهم إلي الفشل، وأحلوا أمتهم دار البوار .

وتكفي نظرة واحدة علي واقع الأمة الإسلامية اليوم، لندرك أن في مقدمة الأسباب التي أدت إلي هذا الواقع أن قادتها وولاة أمورها من " الخطباء " الذين يظنون أن الأزمات يمكن حلّها بالأقوال، وأن التحديات يمكن مواجهتها بالخطب النارية !! ولذلك فهم علي قطيعة مع رجال الفقه والفكر، تصل أحياناً إلي درجة تحطيم الرؤوس المفكرة واعتقال أصحاب الفقه.. بينما هم علي صلة وثيقة وحميمية مع المنافقين من الإعلاميين والصحفيين الذين يُطْرِبونهم بحداء النفاق ليل نهار، ويطالبون الأمة أن تترك لهم " مواجهة " التحديات وعلاج الأزمات بـ" أقوالهم " السديدة و" خطبهم " القوية !! .

ومن هنا فإنه لا سبيل إلي الإحياء الحضاري للأمة الإسلامية إلا أن يوجد في الأمة " فقهاء " يتصفون بصفات المؤمنين ويتحركون علي أساس من الوعي بقيم الوحي قرآناً وسنة مع الدراية بشؤون الواقع ..

" فقهاء " يتميزون بمنهجيتهم وموضوعيتهم وشجاعتهم في رؤية حقائق الواقع، ومواجهة تحديات العصر ..

" فقهاء " يحسون مأساة الأمة الإسلامية، فيسعون بإرادة عازمة للانتقال من حالة الحسن بهذه المأساة إلي حالة "الوعي" بالأسباب التي أدت إليها ن ثم يقومون بالعمل الجاد لاقتلاع جذور هذه المأساة من واقع الأمة، وقيادتها إلي خيري الدنيا والآخرة ..

ولكي يستطيع هؤلاء الفقهاء حمل رسالة أمتهم وتقديم العطاء الحضاري المنشود، لابد أن يكون عملهم بـ"روح الفريق " ولابد أن تربط بينهم شبكة من العلاقات العقائدية والاجتماعية خيوطها الإيمان والتكامل والتناصر والجهاد في سبيل الخروج بالأمة الإسلامية من التبعية إلي الريادة ومن الاستضعاف إلي التمكين .. فإذا كانوا كذلك ن فإنهم يمثلون في الأمة " نواة " " الخلية الحضارية " التي يتكون منها ومن غيرها من الخلايا الجسم الحيّ للمجتمع الإسلامي والبناء الحضاري للأمة الإسلامية ..

إن " نواة " الفقهاء التي تتسم بالفاعلية والحيوية، تجذب إليها " صفوة " الفكر والتجارب و" خبرة " القدرات والإمكانات ليتكون من هؤلاء جميعاً " صفوة " قوية قادرة علي تحدي كل أعداء الأمة، ومواجهة جميع أزماتها، والسير في طريق الإحياء الحضاري بصبر ودأب، حتي يأذن الله بالانبعاث الإسلامي المنشود ..

وإذن فإن قيادة الصفوة المؤمنة للأمة الإسلامية هو في حقيقته أمر " تشترطه " أسس التغيير، وتستدعيه متطلبات التمكين .