6 ـ إستعادة الفاعلية الإسلامية :

حركة الأمة الإسلامية في نسختها الحالية ما تزال أبعد ما تكون أن تحقق البعد الكوني والعالمي للإسلام، بما يتضمن ذلك من التزام بقواعده وتوجيهاته في كل مجالات الحياة، وليس مرد ذلك إلى فعالية الآخر وحسب، ولكن أيضا إلى تقاعس الأمة وارتكانها إلى الخلف والتسابق نحو إبراز مظاهر وحقيقة الولاء للقوى الكبرى في العالم، وسوء توظيف الطاقات والإمكانيات التي حباها بها الله تعالى والتي تشكل حتما عناصر قوة، ومنافسة للآخر.

ولذا يُقَسَّم المراقبون العالم اليوم إلي " الشمال " تعبيراً عن العالم المتقدم.. و" الجنوب " تعبيراً عن العالم المتخلف..

فأمّا الأول : فيتمثل في الدول المتقدمة، ويشمل محور الصين واليابان ودول أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية وحلفائهم .

وأمّا الثاني : فيتمثل في بقية دول العالم التي تقع خارج هذه المحاور .

ولاشك أن السبب الأول للهوّة الحضارية بين الشمال والجنوب، أن دول الأول يتميز أفرادها بـ " الفاعلية" والحرص علي الوقت، والتوجه بنشاطهم إلي العمل الجاد في سبيل تقدم أمتهم.

أمّا دول الثاني، فإن أفرادها يغلب عليهم " انعدام الفاعلية " والنظر إلي الوقت علي أنه لا قيمة له، وتوجه نشاطاتهم إلي اللغو والحديث غير المنتج .

ولكي نوضح ما نقول فغنه من المستحسن أن نتأمل تجربة بلد مثل اليابان.. إن هذه الدولة تعيش في منطقة فقيرة في مواردها الخام.. كما أن وضعها الجغرافي لا يجعلها منطقة إستراتيجية.. ولكنها مع ذلك تتقدم يوماً بعد يوم ويغزو إنتاجها التكنولوجي العالم الغربي.. فما سر ذلك؟

إن السر يكمن في أن فاعلية " الإنسان" الياباني أضعاف أضعاف غيره من أفراد الأمم المتخلفة الذين انعدمت فاعليتهم وتوارت جهودهم ..

وإن المتأمل في واقع أمة الإسلام اليوم يدرك أن الذي ينقصها ليس البرامج والتصورات، وليس الكَم البشري، وليس المواقف من القضايا الحية ومن التوجهات السياسية المعتمدة هنا وهناك، ولكن الذي ينقصها هو التحرك بفعالية بمبادئ الإسلام والالتزام به، عبادةً ومعاملةً. ولقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال منذ أربعة عشر قرن خلت: "الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد منهم راحلة".

إن ذلك لعمري أبلغ دليل على كثرة عدد المسلمين وندرة الفعالين منهم. فإلامَ يرد الباحثون أسباب هذه الكَّليَّة، وكيف نحقق الفعالية في جسم الأمة؟

يحتاج المسلمون البالغ عددهم اليوم نحو الملياري مسلم الى بعض من الفعالية الواجب توافرها في كل من اراد ان يحقق اقلاعا نحو عالم افضل والا ظل مشدودا الى الادنى بفعل جاذبية الارض ولابد لذلك من ان يحمل المسلمون اهدافا سامية ليحققوها في العالم الذى يعيشون فيه الأهداف السامية وحمل (الرسالة) يفجر الطاقات ويضاعف الإنتاج، هذا ما حصل للمسلمين حين حفروا الخندق في مدة وجيزة، وهكذا فجر الإسلام الطاقات عند الصحابة حين يتحول فرد عادي مثل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى شخصية عظيمة من عظماء التاريخ. الهدف السامي يعطي الشخصية سعة في الأفق وانشراحاً في الصدر، أما الشخص الفارغ المملوء بالأنانية والشكوى والحزن، فحري به أن ألّا يكون فعالاً.

إن المتأمل للنماذج التنموية في الأمة الإسلامية يجد أن الأنظمة العلمانية تركز علي أن عنصر رأس المال علي أنه العنصر الوحيد القادر علي تحقيق التقدم .. ولذلك فهي تهمل بناء " المصانع " !!

ولاشك أن هذه الطريقة في البناء الحضاري هي طريقة " العملاء " الذين يحبون أن تظهر أنظمة حكمهم بمظهر التقدم، فيقيمون المصانع العملاقة، ثم يستوردون كل معداتها من الدول المتقدمة .. ويستوردون معها " كوادر " العمل في هذه المصانع . فلا يكون لهذه المصانع والمشروعات التنموية ـ رغم الإنفاق الكبير فيها ـ أدني أثر في التقدم الحضاري المادي.. وما ذلك إلا لأن " الإنسان "في كل هذه المشروعات يكون غائباً، أو علي أحسن الأحوال يكون حاضراً ولكنه يعاني من " اللافاعلية " ..

إنه ليس من الضروري ولا "من الممكن" أن يكون لمجتمع فقير المليارات من الذهب كي ينهض ويسير في طريق البناء الحضاري .. وإنما ينهض ويبني حياته وحضارته بالرصيد الأساسي للحضارة " الإنسان ". وما التخلف الذي ترسف فيه الأمة الإسلامية إلا نتيجة لازمة لعجز الإنسان فيها عن المبادأة في أي ميدان .

إن حلبة الصراع الحضاري تفرض علي الأمة الإسلامية " استعادة فاعلية " الإنسان المسلم، والتخلص من جميع ضروب العطالة التي توقف جهده وتبرر عجزه، ليبدأ من جديد في الاعتياد علي احترام قيمة العمل والجهد، ويتعلم أسلوب التخطيط وتحريك ملكات الابتكار، واستخدام العلم في حل الألغام الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تملأ ساحة الأمة الإسلامية .. حل هذه " الألغام " بنزع فتيلها، وليس بـ " الارتماء عليها " . فإذا نشأ في الأمة هذا " الإنسان "، كانت حركتها كحركة خلايا النحل التي لا ينقطع طنينها بالليل ولا بالنهار .. وعندها سيقضي "عدل الله" برفع هذه الأمة التي تتعامل مع سنة الله وتعمر الأرض .. وخفض أمم أخري قعد أفرادها وعجزوا وغرتهم الأماني..

7ـ قيادة الامة الاسلامية للبشرية :

يتوقف "وجود" أية أمة في الحياة علي حمل هذه الأمة لرسالتها.. فإذا ضعفت عن حمل هذه الرسالة، انتهي "وجود" الأمة وحل محلها أمة أخري لا علاقة لها بها، وإن ربطتها بها روابط الدم والأرض واللغة والثقافة ..

وهذا هو ما فهمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه من قول الله عز وجل : : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } آل عمران 110. حيث قال في تفسيرها : " لو شاء الله لقال : أنتم، فكنا كلنا، ولكن قال : ( كنتم ) في خاصة من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم، ومن صنع صنيعهم ن كانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .

وإذن فالأمة الإسلامية إنما تتميز بقيامها برسالتها في الدعوة إلي المعروف وفعل الخير، والنهي عن المنكر وجميع الشرور .. فإذا تخلت عن شئ من هذه الرسالة نقصت قيمتها بقدر ذلك.. أمّا إذا تخلت عن هذه الرسالة بكاملها، فإن مصيرها هو الاختفاء من الوجود والحياة..

ولاشك أن الأمة الإسلامية لا تستطيع حمل رسالتها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا إذا كانت تمتلك "الرادع" للعقل الغربي الذي لم يتخل بعد، وقد لا يتخلي عن حب العدوان والسيطرة، لاستعباد الآخرين، ونهب مقدراتهم، وإشاعة التخلف في حياتهم ..

ومن هنا يبرز " الجهاد " رادعاً للعقل الغربي ومضاعفاته في الفتنة والفساد .. يبرز الجهاد ليعكس مفهوم " الأمن الإسلامي " الذي يركّز علي إيصال الرسالة وتبليغها للآخرين في جو من الأمن الفكري والمادي والنفسي والشعوري يزيل العوائق التي تحول بين الناس ورؤية الحق علي حقيقته، أو تمنع مَنْ تبينه من إتباعه ..

إن العالم اليوم يعيش أزمات حادة، تحولت عبر الزمن إلي أمراض مزمنة في جسد البشرية .. وفشلت كل الجهود في استئصالها .. ولقد جاء دور الأمة الإسلامية التي تحمل الرسالة الربانية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. جاء دور الأمة الإسلامية التي تنادي البشرية غلي الخير، وتدعوها إلي الكف عن جميع الشرور، وتدفع عنها بـ " الجهاد " فتنة ما يسمي بـ " النظام العالمي الجديد " القائم علي الطغيان، والذي يسعي المترفون في ظله إلي الانفراد بمصادر العيش وقتل أيتام المستضعفين بسلاح " الجوع " و " الفقر " !!

وحين تقوم الأمة الإسلامية بهذا الدور، وتخوض في سبيله الجهاد الشاق سيكون " البقاء للأصلح "، لا بالمعني الدارويني الفاسد، وإنما بالمعني الرباني : { فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ } الرعد : 17. وسيُخْرِج الله بهذه الأمة من شاء من عبادة العباد إلي عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلي عدل السماء، ومن ضيق الدنيا إلي سعة الدنيا والآخرة .. وستعود الأمة الإسلامية مرة أخري إلي "القيادة البشرية " والتمكين.

وبعد :

هذا هو الطريق الحقيقي لانتشال الامة الاسلامية من واقع القصعة المستباحة ، وذلك حتى لا تستباح الأمة لابد من الواقعية وعدم اللهث وراء خيالات ومآلات لا تغني شيئا ولاتسمن من جوع

وأترك لـ " الأمة " التمييز بين الغث والثمين، وبين "المسلمين" الذين يبذلون جهدهم وحياتهم وكل ما يملكون في هدوء لتنهض الأمة الإسلامية وتخرج من الاستضعاف إلي التمكين ومن التبعية إلي القيادة .. وبين "العلمانيين" الذين لا يهتمون إلا بمصالحهم الذاتية ولا يتقنون إلا فن الكلام ..