الإفساد الأخلاقي

انهارت القيم والدين في أوروبا لوجود العداء بين الدين والعلم، ولكن هل حدث في واقعنا نحن أن قمنا بتشغيل النساء ثم إعطائهن نصف أجورهن مما دفعهن لطلب المساواة! أو أن أُحرِق عالم لأن الدين يرفض رأيه ويعادي العلم! ما حدث في بلادنا وأدى للانحلال هو الاستعمار الغربي الذي تفرضه علينا الطبقات الحاكمة التي خلفها الاستعمار بديلًا عنه! ولطالما رأينا الانبهار في أعينهم، ولمسناه في نبراتهم وهم يحدثوننا عن تقدم اليابان ونهضتها بعد كبوة! لكنهم أخفوا عنا حقيقة هامة، أن معتقدات الأمة الدينية هي جزء أصيل من حضارتها وتقدمها إذا فقدته صارت بلا هوية! لم يخبرونا أن اليابان لم تتنازل يومًا عن معتقداتها ولا عاداتها حتى في الطعام، لتشوه نفسها بعادات الغرب! لا هي تركت العصي لتأكل بالشوكة والسكين ولا هي تركت موروثاتها الدينية.

بل وأيضًا حين يحدثوننا عن تقدم الغرب، يخفون أنه تقدم مادي بحت، أما القيم والسلوك الإنساني فيكاد يتلاشى من قواميسهم. أيريدوننا أن نكون مثلهم في الأخلاق والعادات؟! وقد كان! قلدناهم في سلوكياتهم المنحطة، ورمينا التقدم المادي خلف ظهورنا، ونبذنـا الدين والأخلاق معًا! ويتلخص هدف هذا الخط التغييري في قول زويمر رئيس المنصرين في مؤتمر القدس 1934:

نريد أن نُخرج جيلًا لا صله له بالله، ولا صة له بالأخلاق التي تقوم عليها الأمم

إفساد المرأة

ركزوا على المرأة لأنها قوام المجتمع، وإذا فسدت المرأة فسد أبناؤهـا وانهار بيتها الذي هو نواة المجتمع، وكما قال نابليون: “إنّ المرأة التي تهز السرير بيسارها، تهز العالم بيمينهـا”

وهو أيضًا ما أدركه كرومر فقال

المرأة مدار الحياة الاجتماعية، والوصول إليها وصولٌ للأسرة كلها، ويصفق المنصرون لأن المرأة المسلمة في مصر تخطت عتبة دارهـا، نزعت عنها حجابها؛ فإن فعلها هذا يُتيح لهم أن يتغلغلوا عن طريق الأسرة المسلمة بتعاليمها

وقاد هذا التغيير العظيم ومسخ الفطرة أمثال هدى شعراوي وصفية زغلول فكن نساء أفسدن أمة.

إفساد التعليم

يقول زويمر:

إن السياسة الاستعمارية لما قضت منذ1882م على برامج التعليم في المدارس الابتدائية أخرجت منها القرآن ثم تاريخ الإسلام وبذلك أخرجت ناشئة لا هي مسلمة ولا هي مسيحية ولا هي يهودية، ناشئة مضطربة مادية الأغراض لا تؤمن بعقيدة ولا تعرف حقالا للدين ولا للكرامة ولا للوطن حرمة

ونظام التعليم الآن هو كما أراده دانلوي واللودر كرومر.

إفساد الصحافة والإعلام

فكما نرى في هذه الأنظمة صار الإعلام يقود الناس ويسوقهم لما يريد، ويقلب الحقائق حتى يستقر في النفوس ما أرادوه.

إفساد المؤسسات الدينية

وبالطبع لم ينسوا المؤسسات الدينية فهي التي تقود الجماهير وتحيي الهمم، فأفسدوا فيها فسادًا كبيرًا ويكفي أن تنظر كيف كان الأزهر قديمًا يدافع عن عقيدة أمته وكيف هو الآن يبحث مع النصارى في أمر تجديد الخطاب الديني

محاربة نصوص الشريعة

والتشكيك في مصادر التشريع الإسلامي قد تمثل في الهجوم على:

القرآن الكريم نفسه

السنة المشرفة، لكونها مصدر التشريع الثاني وقد جاء الهجوم عليها متمثلًا في نواحٍ عدة

النيل من شخصية النبي صلى الله عليه وسلم

الطعن في صحيح البخاري

النيل من شخصية أبي هريرة رضي الله عنه

محاربة اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن

تشويه ومحاربة التاريخ الإسلامي فصرنا كالمقطوعِ من شجرة لا يدري أصل له ولا نسب

استبدال الثقافة الغربية بالثقافة الإسلامية

تمزيق الأمة

إن وحدة الأمة هي من أهم عوامل قوتهـا وبقاءها صامدة، وقد عمل الأعداء على استغلال هذ الأمر ضاربين عصفورين بحجرٍ واحد.

فحين نزعوا عن الناس حميتهم للعقيدة وضعوا بدلًا منها العصبية القومية، فقطعوا روابط الإخـاء ونزعوا العقيدة من الصدور. لقد بقي لهم أنهم ينطقون بأفواههم "لا إله إلا الله محمد رسول الله". فهل يعون معناها أو يعرفون مقتضياتها؟ وبقي لهم أنهم يؤدون بعض العبادات, فهل أدركوا المقصود بها, أو رعوها حق رعايتها؟ وبقي لهم بعض "التقاليد" الإسلامية, فهل تصمد التقاليد الخاوية من الروح للمعركة الضارية التي توجه إلى الدين عامة والإسلام على وجه الخصوص؟ وبقي لهم تمنيات بأن ينصر الله دينه, ويعيد إليه أمجاده, فهل تطفي التمنيات لتغيير الواقع السيء وإنشاء البديل ؟! نستطيع أن نقول أن كل مفاهيم الإسلام قد فسدت في حس الأجيال المتأخرة من المسلمين, تحوّلت "لا إله إلا الله" من منهج حياة كامل إلى الكلمة التي تُنطق بالأفواه، وتحوّلت العبادة بعد أن انحصرت في الشعائر التعبدية،وخرجت منها الأعمال والأخلاق إلى أداء آلي تقليدي خاوِ من الروح. وتحوّلتعقيدة القضاء والقدر من قوة دافعة إلى النشاط والحركة مع التوكل على الله, إلى قعود عن النشاط والحركة مع تواكل سلبي مريض، وتحوّل التوازن الجميلبين الدنيا والآخرة وإلى إهمال للدنيا من أجل الخلاص في الآخرة، فأُهملتعمارة الأرض وطلب العلم وطلب التمكين والقوة، وعمّ الجهل والفقر والمرض،ورضي الناس بذلك كله على أنه قدر ربّاني لا قبل لهم بتغييره، بل لا يجوزالعمل على تغيير خوفاًَ من الوقوع في خطيئة التمرد على قدر الله! أهذا هو الإسلام؟! أم هذه صورة مناقضة لحقيقة الإسلام؟ وهل يمكن أن يؤدي الشيء ونقيضه إلى نتيجة واحدة ؟! إذا كان الإسلام يؤدي في حياة الناس إلى التمكين والقوة والنظافة ونقاءالأخلاق والتقدم العلمي والتقدم الحضاري، ومقاومة انحرافات البيئة والتغلبعليها.. فهل يمكن للصورة البديلة أن تؤدي إلي النتائج ذاتها؟! أم أنهاتؤدي إلى الضعف والتخلف والخضوع لانحرافات البيئة والعجز عن تقويمها؟ وهذا حدث بالفعل.. فجاء الأعداء من كل حدب وصوب يحتلون أرض الإسلام, يمزّقونهاتمزيقاَ, ويقتلون كل ما بقي من قيم في حياة المسلمين. ثم جاء الغزو الفكريليقول للناس: إن السبب في كل ما حل بهم هو تمسكهم بالإسلام!! أي إسلام هذاالذي كانوا يتمسكون به؟! حقيقة إنهم كانوا "متمسكين" بشيء ما! وإنهم كانوا يتوهمون أن ما هم متمسكون به هو "الإسلام"! ولكن متى كان الوهم يغنيعن الحقيقة أو يؤدي في عالم الواقع ما تؤديه الحقيقة ؟! مثل الوهم الذي كانوا متمسكين به والحقيقة كمثل ورقة النقد الزائفة يحسبها المخدوعبها ورقة حقيقة حتى إذا ذهب بها إلى السوق لم يستطع أن يحصل بها على شيءمما يريد، وعاد بالخيبة والحسرة إن لم يتعرض لإلقاء القبض عليه وتوقيع العقوبة عليه! ولقد كان المسلمون متمسكين بأوهام يحسبونها حقيقة. أوّل هذه الأوهام أن الإيمان هو التصديق والإقرار وأن العمل ليس داخلاَ في مسمى الإيمان !! وبهذا الوهم حسبوا أنفسهم مؤمنين وهم لا يعملون بمقتضى الإيمان!! وتوهموا أنهم حين يؤدون الركعات المفروضة بأية صورة ويصومون الأيام من استطاع إليها سبيلاَ- فقد أدوا الزكاة المفروضة, ويحجون الحجةالمفروضة -من أستطاع إليها سبيلاً- فقد أدوا كل العبادة المفروضة. ومن ثم خرجت أخلاقيات "لا اله إلا الله" من دائرة العبادة, وأصبح من المستساغ عند كثير منهم أن يؤدوا الركعات المفروضة في المسجد ثم يخرجوا ليكذبوا علىالناس ويغشوهم ويخدعوهم, ويخلفوا وعودهم معهم, ولا يخلصوا في أعمالهم, ولا يتقنوا حرفتهم, ولا يأمروا بالمعروف ولا ينهوا عن المنكر, ولا يعمل علىوقاية أنفسهم وأهليهم من النار باجتناب ما حرم الله, ولا يعاشروا زوجاتهم بالمعروف, ولا يهتموا بأمر المسلمين, ولم يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فيسبيل الله.. وفي حسهم أنهم أدّوا العبادة!! هل كانت مثل تلك"العبادة" تصلح زاداَ للدنيا أو الآخرة ؟! حين تؤدى على هذه الصورة يسقط وزرها ولكن لا يثاب الإنسان عليها، إنما يكون الثواب في الآخرة على قدر مافي العبادة من صدق. أما في الدنيا فلا يكون لها أثر حقيقي، لذلك قال الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْسَاهُونَ } ومن الأوهام كذلك أن أنهم توهّموا أنهم ماداموا"مسلمين" فسينصرهم الله, وسيوفقهم وسيقضي لهم حوائجهم وينجح مقاصدهم, مهمايكن حالهم, ومهما تكن حقيقة أعمالهم!! غفلة كاملة عن السنن الربانية!

لقد قال الله تعالى للمؤمنين: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنتَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}. ولم يقللهم: مادمتم مؤمنين فسأنصركم, وأثبت أقدامكم مهما تكن أحوالكم, وأوضاعكموأعمالكم !! ولقد هزِم المؤمنون -وفيهم رسول الله صلى الله عليهوسلم- في وقعة أحد حين عصوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم.

وهُزموا يوم حنين -وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذالك- حين أعجبتهم كثرتهم فلمتغن عنهم شيئاَ وهم خير القرون.. فكيف بهاتيك القرون المتلفتة الغارقةبالبدع والمعاصي؟! أفكان الله ناصرهم وهم لا ينصرونه؟! لمجرد دعواهم أنهممؤمنون؟ أفكان الله موفّقهم وهم يعصونه, ولا يقومون بواجبهم نحوه؟ أفكان منجح مقاصدهم وقلوبهم مشغولة بذكره غافلة عن أمره ونهيه؟! {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} كيف فسدت مفاهيم الإسلام في حس تلك القرون المتأخرة ؟ لا شك أن هناك أسباباَ كثيرة تضافرت حتى زحزحت المسلمين عن حقيقة دينهم, وهميحسبون على الدوام أنهم "متمسكون" بالدين ! وحتى إن أدركوا أنهم مقصرون-ولابد أن يدركوا ذلك بين الحين والحين-، أسرع إليهم من يوهمهم أنهم فيمغفرة الله مهما فعلوا, حتى وقعوا فيما وقعت به بنو إسرائيل: {فَخَلَف َمِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَاالأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} {وَرِثُواْالْكِتَابَ } ! أي أخذوه وراثة واتخذوه تراثاً! ولم يشعروا أنه كتابهم هم, المنزّل إليهم ليعملوا بمقتضاه! إنما هو كتاب الآباء والأجداد وهم مجردورثة له, غير مكلّفين بالعمل بما جاء به!! لقد كانت هناك زحزحةمستمرة -استمرت من عمر الأمة عدة قرون- تبعد الناس رويداَ رويداَ عن حقيقةالدين, وتأتي الصحوة عابرة, على أيدي العلماء والدعاة والمصلحين, ثم تعودالأمة إلى غفوتها أكثر انحرافاًَ من ذي قبل, وأكثر بعداً عن حقيقة الدين. وفي النهاية تحقق النذير: تداعت عليهم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها, بينما هم كثير كثير.. ألفي مليون من البشر.. أكبر عدد وصولاً إليه في التاريخ ..