.. وفي القرنين الأخيرين كانت الكارثة التي لا تزال تعيش الأمة عقابيلها إلى هذه اللحظة. ظلت الصليبية الصهيونية تتآمر على الدولة العثمانية حتى قضت عليه وفي النهايةأسقطتها. وفتت العالم الإسلامي إلى دويلات صغيرة هزيلة ضعيفة, تتصارع فيمابينها وتشاحن بما يحقق مصالح الأعداء دائماً, ويحقق لهم السيطرة علىمقدرات المسلمين. ونُحِّيت الشريعة الإسلامية عن الحكم في كل البلادالتي دنستها أقدام الصليبين, تشفياً وحقداً من ناحية, وزعزعة للدين منأصوله من ناحية أخرى. فهم يعرفون أنهم حين ينقضون عروة الحكم تنقض بعدها بقية العرى, كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: « لتنقضن عرى هذا الدين عروة عروة, كلّما نقضت عروة تمسك الناس بالتي بعدها , فأولهن نقضاَ الحكم وآخرهن نقضاَ الصلاة ». وفي كل حين تهجم الصليبية هجمة أو تهجم الصهيونية هجمة, فيعيدون تفتيت الدويلات التي فتتوها من قبل, ليحيلوها إلى تراب تسحقه أقدامهم! ويفتعلون الأزمات لتحقيق أهدافهم, و "الأبطال" جالسون على مقاعدهم, يكذبون على شعوبهم ويموّهون عليها, في ظل "البطولات" المزعومة.. حتى تنفذ أغراض السادة, فيركلوا الأبطال الزائفين بأقدامهم ويستهلكوهم, ولا يعتبر منهم أحد بما فعل بمن سبقه من "الأبطال"!! {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ . وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} تلك نبذة سريعة عن مأساة الأمة في القرون الأخيرة التي لا تزال تعيش عقابيلها حتى اللحظة.. وما أبعد الشقة بين الأجيال التي شهد لها خالقها بقوله {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} والأجيال التي حذّر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم: « غثاء كغثاء السيل »، وسنّة الله لا تتبدل ولا تتحول ولا تحابي أحداً من الخلق {ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .. {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}!

كيف نعود؟وكيف السبيل حتى لا تستباح الامة الاسلامية؟؟

إن هؤلاء يكرهون الإسـلام لكن لا يمكنهم التصريح بذلك، فإنهم لن يجرأوا على الظهور حين نكون مسلمين، وحين نكون عباد الله حقًا نقضي على عبيد الاستعمار. استماتة عبيد الغرب والاستعمار من بني جلدتنا أصحاب الحكم في منع هذه الحركات من الوصول للسلطة وقيادة الأمة وتحريرها، وإن عبوديتهم للغرب تدفعهم لموالاة كل كافرٍ على كل مسلمٍ صادق

فيا باحثًا عن الحق، هل تعلم أن بيجن نفسه (رئيس الوزراء الإسرائيلي) في نقاشه مع السادات حول الضفة الغربية التي هي حقنا بالكامل قال:

من أخبرك أن الحرية هي أن تقتحم الحياة بعيدًا عن عقيدتك، إنّ المسلم تجتمع الدُنيا والآخرة لديه في خط واحد، فهو يطوع دنياه لبناء آخرته. أَوَليس بناء الأمة مما ستحاسب عليه في الآخرة؟

إن الإسلام قال: “ولقد كرمنا بني آدم” الله أكرمنا فكيف نرضى بالذل؟! ولأن الله خلق الإنسان وهو أعلم به، فقد علّمنا أن نقاء الإنسان لا يحدث بمجرد النصح بينما المجتمع حوله يغرق في الفساد، لهذا كان الإسلام شريعة تقام على أرض الواقع تحكم أنظمة الدولة بأكملها. مجتمع ليس بحاجة للمناداة بحرية المرأة لأنها تستمد حريتها من عبادة الله عز وجل والخضوع له وحده وفقط، تمتلك حريتها من عقيدتها التي تجعلها تحكم على الأشياء وتدرك الخطأ والصواب فلا يستخدمهـا أحد في الترويج لمنتجاته كالرقيق. أما العلاقة بينها وبين الرجل فهي علاقة تكاملية. وهي تدرك قيمتها وتشعر بذاتها حين تربي أبناءها وتغرس فيهم العقيدة السليمة، وهو جهدٌ كبير وعملٌ إيجابي

والشعوب ستكون حرة لا تعبد إلا الله وحده، لا يستعبدها البشر بل لها الحق في توجيه الحاكم إن أخطأ.

وكما يقول الأستاذ محمد قطب/

(هذا المجتمع بالنسبة للمسلمين عقيدة، ولغير المسلمين نظام يعيشون فيه آمنين لا يمس عقيدتهم مساس

إن تبليغ الحق للناس، وتعرية الباطل لهم، وكشف زيفه، وإبراز وجهه القبيح، يفسد على أعداءنا طريقهم الماكر، وكيدهم الخبيث، وتخطيطهم المحكم الذي يزعمون، وصدق الله تعالى: ﴿ فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ﴾ [الروم:30]. وهنا يجسد واقع الأمة الإسلامية وصورتها الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله فيقول: "ورضى عامة المسلمين بأن يكونوا ساقة عسكر الجاهلية بدل أن يكونوا قادة الجيش الإسلامي. وسرت فيهم أخلاق الجاهلية ومبادئ الفلسفة الأوروبية سريان الماء في عروق الشجر والكهرباء في الأسلاك، فترى المادية الغربية في البلاد الإسلامية في كثير من مظاهرها وآثارها.

ترى تهافتًا على الشهوات ونهماً للحياة, نهم من لا يؤمن بالآخرة، ولا يوقن بحياة بعد هذه الحياة، ولا يدخر من طيباتها شيئًا. وترى تنافسًا في أسباب الجاه والفخار، وتكالبًا عليها فعل من يغلو في تقويم هذه الحياة وأسبابها.

وترى إيثارًا للمصالح والمنافع الشخصية على المبادئ والأخلاق، شأن من لا يؤمن بنبي ولا بكتابٍ، ولا يرجو معادًا ولا يخشى حسابًا. وترى حب الحياة وكراهة الموت، دأب من يعد الحياة الدنيا رأس بضاعته، ومنتهى أمله ومبلغ علمه. وترى افتتانًا بالزخارف والمظاهر الجوفاء كالأمم المادية التي ليس عندها أخلاق ولا حقيقة حية، وترى خضوعًا للإنسان، واستكانة للملوك والأمراء ورجال الحكومة والمناصب وتقديسهم شأن الأمم الوثنية وعبدة الأوثان".

2-صيحة الحق: وبعد كل هذا الذي أشرنا إليه وأوضحناه من حال الأمة وواقعها، وحال أعداء الأمة في تكالبهم على الأمة والعبث بمقدراتها وعقائدها، علينا أن نعلم أن كل هذا لا يجعلنا نشرد بعيدًا، ولا أن نورث القلوب يأسًا وقنوطًا.

ولكني أقول أنه لا زالت هناك صيحة الحق تعلو على كل الأصوات، وتنادي بالعودة الصادقة إلى الأصالة الإسلامية وأصولها من الكتاب والسنة بمنهج وفهم سلف الأمة الصالحين, وإلى منابع السعادة، ومبادئ الرفعة والسيادة والتمكين، وتنادي أيضًا بحتمية التغيير والإصلاح لواقعنا المعاصر، في كل مناحي الحياة ومجالات الإدارة والاقتصاد على الأخص، وتنادي أيضًا بجعل الإسلام ومنهاجه القرآن هو الدستور الأعلى للأمة ومنهاجها، كما كان في عهد النبوة المحمدية، والخلافة الإسلامية الراشدة على مر القرون.

نعم، لقد آن الأوان أن تعود أمة التوحيد والإسلام إلى شريعة ربها، وأن تعود إلى سنة نبيها، وإلى القرآن دستورها، وأن تشعل الإيمان المخدر في القلوب الغافلة، وأن تغرسه في الأجيال الصاعدة، لتكون أهلاً لحمل رسالة الإسلام والهدى، ولتبليغ مبادئها لكل العالمين، لابد لنا من هذه العودة الصادقة الجادة، ولابد لنا كذلك من اتخاذ الأسباب الموصلة إليها، الهادية إلى طريقها لماذا؟

لأن الأمة الإسلامية فرت فرارًا كبيرًا إلى كل ما يبعدها عن هدى الله تعالى وقرآنه، وعن هدي رسولها - صلى الله عليه وسلم - وسنته، وعن طريق عزها وشرفها وسيادتها، لقد جربت الأمة كل ألوان الفرار وأنواعه، حتى صارت إلى ما هي عليه الآن من الذل والاستكانة والاستعباد.

لقد فرت أمتنا إلى الفاحشة والعري والزنى، وفرت إلى الخنى والإباحية، والإسفاف بالأخلاق والتميع بالقيم، فماذا حصدت الأمة من وراء ذلك؟ ما حصدت إلا ضياع الأعراض، وانتهاك الحرمات، وفساد الأخلاق وانحلالها، وانتشار الفواحش والعري علنًا، وتمرد الأجيال، وانتشار الأوبئة والأمراض الخبيثة كالزهري والسيلان المنوي وأخطرها مرض الإيدز المدمر، والذي لا يزال الطب الحديث عاجزًا عن معرفة طرق الشفاء منه.

وفرت الأمة كذلك إلى التعامل الربوي وإعلان الفوائد المحرمة، والمساهمة في البورصات العالمية والاستثمارية، فما حصدت إلا انتشار الفقر والبطالة بين الأجيال المتلاحقة، وما حصدت إلا انتشار الفساد الاقتصادي والسرقة المعلنة في مقدرات الأمة وثرواتها وممتلكاتها.

وفرت الأمة أيضًا إلى تحكيم القوانين الوضعية المستوردة، فما حصدت إلا ضياع نعمة الأمن والأمان، وظهور الحرام بكل صوره وأشكاله من أخذ الرشوة، والسرقة، وشهادة الزور، وأكل الربا وأكل أموال الناس بالباطل، وما حصدت إلا استعباد الأمم الكافرة لها, وتحكمها فيها، وإدارة شئونها وحياتها ومقدراتها، والعبث بأمنها وأخلاقها وعقائدها، حتى صارت الأمة قصعة مستباحة لكل أحد، وغنيمة مشبعة، ولعبة مسلية بأيدي العابثين.

والآن وبعد هذه الهوة الكبيرة من الانحراف والضياع، والذلة والهوان، فقد آن الأوان لأمة الإسلام أن تفر إلى الله حق الفرار، وأن تعتصم به حق الاعتصام كما قال سبحانه: ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ [الذاريات:50].

نعم، جربت أمتنا كل ألوان الفرار فلم تجدي ولم تهدى، فلتجرب مرة الفرار إلى ربها وقرآنها، ولتجرب الفرار إلى سنة نبيها وشريعتها، وسترى النتائج الكريمة بعد ذلك.

إن الجاهلية الأولى ملكت أصحابها وحكمتهم ردحًا من الزمان، حتى بعث لبنة التمام، ومسك الختام، محمد عليه الصلاة والسلام، فنبذوا الجاهلية وراء ظهورهم، بعد أن ذاقوا حلاوة الإيمان، وبعد أن فروا إلى ربهم، وإلى الإيمان والتصديق والتسليم لنبيهم، فماذا كانت النتيجة؟. كانت النتيجة أنهم أصبحوا سادة وقادة، وصاروا أعزة بعد ذلة، وأصحاب علم وبصيرة بعد غفلة وجهالة، وسادة ملك وأمة، بعد تشتت وفرقة، والتاريخ الإسلامي ثري بهذه الحقائق، والقرآن يحدثنا عن ذلك فيقول تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾ [آل عمران: 103].

ولكن السؤال الآن: من أين تبدأ العودة إلى الله؟ ومن أين تبدأ هذه الهداية؟ ومن أين يبدأ الإصلاح والتغيير؟، ونقول أولًا: إن حسن كل نهاية أصله صلاح كل بداية، فالبدايات هي محاسن النهايات، فمن حسنت بدايته، كملت نهايته وخاتمته بالحسن والصلاح.

إنه لابد لنا ولأمتنا من البداية الصحيحة لطريق الهداية والإسلام، حتى تثبت أقدام الإسلام، وتصلح أمة التوحيد والهدى، بترسيخ عقائدها، وتهذيب أخلاقها وتحكيم شريعتها، وحتى ترفع ألويتها، وتعيد مجدها وحضارتها، وإن بداية الهداية، وأصل التغيير والإصلاح لا تأتي من الخارج كلا، بل من الداخل وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11]، وإن هذه البداية والعودة لا يحكمها أمر واحد فقط، بل إنها تقوم على جملة مترابطة من المبادئ والمرتكزات، والأصول والمقدمات.