في قريتهم الصغيرة الوادعة ذات الجو العليل و النسائم الساحرة الشافية للنفوس و الأجسام ، بين المزارع و الشجر و الماء العذب ... نشأ خالد مع أبناء قريته ببساطتهم و ألعابهم البدائية الصنع الكثيرة المرح و السعادة ....و ما كان يزيد سعادته هو معرفته لرفيدة ، تلك البنت التي عرفها من ذهابها مع رفيقاتها إلى جلب الماء من بئر قريبة هناك ، لقد كان حبا طفوليا - كما يبدو- لكنه كان عميقا و بريئا براءة البراعم

لم تكن تلك الفتاة خالبة للب و لا فائقة الجمال في نظر الكثيرين ، لكنه كان يراها بعينيه المحبتين اللتين لا تقعان الا على كل جميل ، ليس حبه كحب الكثيرين الذين يلهثون خلف حسن الجسد ، و لا يعيرون همّا لحسن الروح و النفس ، و الذي ما أن يذوق احد من كأسه حتى يجد نفسه مشدودا إلى الشرب كل مرة بلا ارتواء و لا ملل

مضت الأيام و كبر الطفلان ، و صار الحب بيتا فيه خالد و رفيدة ، لان خالدا كان مؤمنا بان حبه يجب ان لا ينقطع

لقد كانت حياتهما عادية لمن يراها ببصره ، و لكنها ليست - بالمرة - كذلك لمن يراها ببصيرته ، و كم تخدع الباصرة ، و كم تصدق البصيرة .... كنت تراه ذلك الزوج المحب الذي ما دخل عليها البيت إلا و أدخل البسمة و الفرح معه ، و كانت هي تبادله الشيء نفسه ... فعلا كما قيل : الارواح تنجذب إلى بعضها كالمغناطيس ، و الخارج انعكاس للداخل كما يقال ، فالنفس الطيبة تلتقي شبيهتها و تنجذب إليها ...

و بما أنه لا فرح يدوم و لاحزن ، فقد جاء يوم حدثت حادثة اليمة .. لقد عاد خالد من عمله ليجد امرأته تبكي ، و التي قلما رأى بكاءها

مالك رفيدة ؟ ما الذي يبكيك ؟! أجيبي !!

فاضت عيناها بالدمع و هي تقول : سامحني يا خالد ، ربما ساصير حملا ثقيلا عليك

و لم ؟ !! تكلمي ، ما الذي حدث ؟!!

قومي ، مالك جالسة في مكانك ؟!!

غطت وجهها باكية بشجن ، ذهب يقيمها فسقطت على الأرض !! هرع بها في اللحظة الى المستشفى ، و بعد الفحص الذي دام نصف ساعة و كأنه أعوام ، خرج الطبيب ليقول : عذرا خالد يؤسفني ان اقول إن امرأتك قد شُلَّت و لن تستطيع الوقوف بعد اليوم ... لقد وقع الخبر كالصاعقة عليه و هو يتخيل حبيبته غير قادرة على الوقوف ، كيف سيواسيها في مصيبتها ؟ كيف سيزيل حزنها ؟ هل ستبقى بسمتها التي تعوّد عليها ؟ ...

خرجت الممرضة تدفع عربة المشي التي تقل رفيدة ، انفجرت في البكاء فور أن رأته آسفا و حزينا على ما وصلت إليه ، لم يقدر أن يكف دمعته و بكاءه ، إنه بكاء الرجل و ما أدراك ؟!! تقدم نحوها و طمأنها أن كل شيء سيكون بخير

لقد صار هو يدَها و رجلها و كل ما يلزم لها ، لا تفعل شيئا مما يخصها بدونه ، و لقد كان يضحكها و يلاطفها و لا يحسسها أبدا أنها مشلولة ، بل كان يعاتبها عندما لا توقظه ليلا ليجلب لها شيئا مما تريد ، و يغضب منها إذا رفضت أن تعلمه بذلك ...

ما لم يكن يعلمه خالد أنها كانت طيلة تلك السبع سنين من شللها تخبيء الحزن بداخلها ، لقد كان يؤلمها حاله عندما يستيقظ باكرا ليقوم على شأنها ، و يعد لها الفطور ، و يغسل ثيابها ، ثم يوصي جارتهما بها و يذهب إلى عمله ، ثم يفعل ذلك بعد العمل ، حتى و إن كان متعبا كان يغالب نفسه على عمل كل ذلك ، كل ذلك و هي تبتسم له ، لكن قلبها يعتصر ألما و حزنا عليه ، خاصة و أنه رفض الزواج عليها رغم إلحاحها عليه بذلك ...

جاء اليوم الذي حدثت فيه فاجعة أخرى يوم أخذها للفحص فإذا بالطبيب يخبره أنها مصابة بالسرطان ، و لم يبق لها إلا القليل في هذه الدنيا لأن ذلك المرض قد استشرى في جسدها و تأصل كما يتأصل المحتل الغازي الذي لا يَثنيه شيء عن عزمه ... علمت هي بالخبر المرير ، و كانت تئن يوما بعد يوم من شدة الوجع ..

ذات صباح ، و قد خارت قواها و أُنهك جسدُها و ثقل ، و كان الرحيل قد قرب ...

خالد جالس إلى جانبها و هي تبذرف الدمع غزيرا ، تماسكت و تشجعت قائلة : سامحني أرجوك ، لقد سببت لك الكثير من الألم ... لم أُرد أن أقول لك هذا من قبل ،بل لم أستطع ذلك ، لقد كان يؤلمني منظرك دائما و أنت تقوم على شأني و على شأن البيت ... أخفيت كل مشاعري حتى لا تظن أني متضايقة مما حدث لي ، سامحني يا أحب إنسان إلى قلبي ..

قال و هو يخفي دمعه : لا ، لا ، أنت لم تؤلميني بتاتا ، لقد كنت أخدمك و أنا فرح بذلك ، أقسم لك على ذلك ، و حتى و أن كنت تعبت فكان ماذا إذاً ؟ التعب جزء من الحياة لابد منه ، و رب غني في قصره و هو متعب ... صدقيني أنا كنت أتلذذ بكل ذلك ، لا تكرري ذلك ، أرجوك ...كل شيء سيكون بخير ، ارتاحي أنت

نعم سأرتاح قريبا يا خالد ، راحة ليس بعدها عناء

قالت و هي تجتهد حتى تتكلم : خالد

نعم يا رفيدة

لم تحملت كل هذا العناء و التعب و قد كنت تقدر على غيره ، كيف واصلت و لم تعجز طيلة هذه السنوات ؟!!

رفع رأسه و الدمع خطوط على وجهه ، و قال : إنه الحب يا رفيدة ، إنه الحب الذي فعل ذلك ...