قول الله تعالى " خالدين فيها أبدا " ورد فى القرآن الكريم فى أحد عشر موضعا هى :

1 – "وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا" [النساء: ٥٧]

2 – "وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا" [النساء: ١٢٢]

3 – "إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا"[النساء: ١٦٩]

4 – "قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" [المائدة: ١١٩]

5 – "يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22) " [التوبة: ٢١ ، ٢٢]

6 – " وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " [التوبة: ١٠٠]

7 –" إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا "[الأحزاب: ٦٤ ، ٦٥]

8 – "يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" [ التغابن: ٩]

9 – " رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا" [الطلاق: ١١]

10 –" قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا" [الجن: ٢٢ ، ٢٣]

11 – "إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)" [البينة: ٧ ، ٨].

هذه الآيات ثمان منها تتحدث عن خلود أهل الجنة ، و ثلاث تتحدث عن خلود أهل النار فيها.
و قد جمع الإمام علم الدين السخاوى هذه المواضع فى منظومة هداية المرتاب فى قوله :

وَ (أَبَــــــــــــدًا) مِنْ بَعْدِ (خَالِدِينَـــــــا ... فِيهَا) بِإحْدَى عَشْرَةٍ يَقِينًــــــــــا

فَفِي النِّسَــــــاءِ لا تَعُــــدَّ الأوَّلا ... وَاعْدُدْ ثَلاثًـا بَعْدَهُ مُحَصَّلا

وَفِي الْعُقُـودِ رَابِعٌ قَدْ وَقَعَــــــا ... بِهَا أَخِيرًا نُورُهُ قَـــــــدْ سَطَعَا

وَمِثْـــــــــلُهُ الأوَّلُ وَالآخِرُ فِي .. بَرَاءَةٍ وَهْوَ فِي الاحْزَابِ اقْتُفِي

وَثَامِنٌ فِي سُورَةِ التَّغَــــــــــابُنِ ... وَفِي الطَّلاقِ تَاسِعُ الأمَاكِنِ

وَعَاشِرٌ فِي الْجِنِّ ،وَالْبَرِيَّــــــةْ ... فِيهَا كَمَـــــــــالُ الْعِدَّةِ الْوَفِيَّةْ

 وقد تشابهت مع غيرها من المواضع التى لم يذكر فيها لفظ (أبدا) فقال تعالى : "خالدين فيها ".

موضع التشابه إثبات لفظ (أبدا) هنا و حذفه فى غيره من المواضع.

التوجيه

"الأبد: عبارة عن مدّة الزمان الممتد الذي لا يتجزأ كما يتجرأ الزمان، وذلك أنه يقالزمان كذا، ولا يقال: أبد كذا." ([1]).

و هو :"الدهر الطويل الذى ليس بمحدود"([2]).وَانْتَصَبَ أَبَداً عَلَى الظَّرْفِ ، فيكون معنى خالدين فيها أبدًا : لا يموتون، ولا يخرجون منها. ماكثين فيها أبدًا إلى غير نهاية .

أما خَلَد : فالمراد منها دام و بقى و أقام و لزم حيث ورد فى معناها :" (الخُلد) بالضم البقاء و الدوام ، و خَلَد خلوداً دام ، و بالمكان أقام ، و أخلد بصاحبه لزمه." ([3]).

"الخُلُود: هو تبرّي الشيء من اعتراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التي هو عليها، وكلّ ما يتباطأ عنه التغيير والفساد تصفه العرب بالخلود، كقولهم للأثافي: خوالد، وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها. يقال: خَلَدَ يَخْلُدُ خُلُودا ، قال تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) ، والخُلُودُ في الجنّة: بقاء الأشياء على الحالة التي عليها من غير اعتراض الفساد عليها، قال تعالى: (أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ )." ([4]).

و على هذا فلفظ ( أبدا ) يختلف فى المعنى عن لفظ (خالدين).

قال الإمام الرازى :"وَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْخُلْدُ هُوَ الثَّبَاتُ الطَّوِيلُ سَوَاءٌ دَامَ أَوْ لَمْ يَدُمْ وَاحْتَجُّوا فِيهِ بِالْآيَةِ وَالْعُرْفِ أَمَّا الْآيَةُ فَقَوْلُهُ تعالى:  "خالِدِينَ فِيها أَبَداً "وَلَوْ كَانَ التَّأْبِيدُ دَاخِلًا فِي مَفْهُومِ الْخُلْدِ لَكَانَ ذَلِكَ تَكْرَارًا ، وَأَمَّا الْعُرْفُ فَيُقَالُ حَبَسَ فُلَانٌ فُلَانًا حَبْسًا مُخَلَّدًا وَلِأَنَّهُ يُكْتَبُ فِي صُكُوكِ الْأَوْقَافِ وَقَفَ فُلَانٌ وَقْفًا مُخَلَّدًا "([5]). وذكر فى موضع آخر " أَنَّ الْخُلُودَ لِطُولِ الْمُكْثِ لَا لِلتَّأْبِيدِ" ([6]).

و على هذا نفهم من الآيات أن الله – سبحانه و تعالى – عندما يذكر نعيم أهل الجنة يذكر معه ما هو أعظم و هو الخلود أو ما فوقه و هو الخلود الأبدى و أعلى هذه المنازل ذكر رضوانه – سبحانه و تعالى – فوق ذلك كله، فهى درجات فالمذكورون فى هذه الآيات فى أعلى الدرجات خاصة مَن وُصِفوا بنيل رضوانه تعالى و أعلاهم المذكورون فى آيتى التوبة 22،21 ؛ لأنه ذكر الرحمة و الرضوان و الجنات بلفظ البشرى ثم ذكر الخلود الأبدى كما أنها انفردت بذكر الرحمة .

يقول الإمام الرازى:

"اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا وَصَفَ الْجَنَّةَ أَتْبَعَهُ بِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ الْخُلُودُ أَوَّلًا وَالرِّضَا ثَانِيًا،وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «إِنَّ الْخُلُودَ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْجَنَّةِ وَرِضَا اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الْجَنَّةِ» ...فَجَنَّةُ الْجَسَدِ هِيَ الْجَنَّةُ الْمَوْصُوفَةُ وَجَنَّةُ الرُّوحِ هِيَ رِضَا الرَّبِّ." ([7]).

و يقول الإمام البقاعى:"لما ذكر قيامها - الجنة - وما به دوامها، أتبعه ما تهواه النفوس من استمرار الإقامة بها فقال: (خالدين فيها أبداً )"([8]).

لذلك نبدأ بتوجيه الآيات التى تحدثت عن أهل الجنة:

فالآية السابعة و الخمسون من سورة النساء ذكر فيها لفظ (أبدا) و قبلها اجتماع المشركين مع اليهود و حكم اليهود للذين كفروا بأنهم أهدى سبيلا من المؤمنين فى قوله تعالى : "أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (51) " فكان الحكم من الله – سبحانه و تعالى – على اليهود و كل من كفر بذِكر حالهم فى النار وتبديل جلودهم ليذوقوا العذاب ثم ذِكر دخول أهل الجنة جنات تجرى من تحتها الأنهار و زيادة فى نعيمهم وصفهم بالخلود الأبدى .فأى الفِرق بعد ذلك البيان أهدى سبيلا ؟


[1] - المفردات فى غريب القرآن لأبى القاسم الراغب الأصفهانى ج1 ص59 ط دار القلم - بيروت.

[2] - القاموس المحيط للفيروز آبادى ج1 ص271 مادة (أبد).و تعريف الراغب أدق لأن الفيروز أبادى نقله عنه بنصه فى كتابه بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتــــــــــــــــــــــــاب العزيز ( بصيرة فى الأبد).

[3] - القاموس المحيط للفيروز آبادى ج1 ص289 مادة (خلد).

[4] - المفردات فى غريب القرآن مادة (خلد)ج 1 ص291 ،292.و الأثافى هى القِطَع من الجبال.

[5] - مفاتيح الغيب للإمام أبى عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازى ج2 ص 360 ط دار إحياء التراث العربي – بيروت.

[6] - مفاتيح الغيب للإمام الرازى ج10 ص 108 ط دار إحياء التراث العربي .

[7] - مفاتيح الغيب للإمام الرازى ج5 ص 252 ، ولم أقف على صحة الحديث.

[8] - نظم الدرر فى تناسب الآيات و السور للإمام إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكرالبقاعى ج 5 ص 307 ط دار الكتاب الإسلامي، القاهرة.

المصادر

1 - المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى ط دار القلم - بيروت.

2 - مفاتيح الغيب للإمام أبى عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازى  ط دار إحياء التراث العربي – بيروت.

3 - نظم الدرر فى تناسب الآيات و السور للإمام إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكرالبقاعى ط دار الكتاب الإسلامي، القاهرة

4 - القاموس المحيط للفيروز آبادى ط الهيئة المصرية العامة للكتاب .

5 - تيسير المتشابه اللفظى فى القرآن الكريم لمحمد بدرى الضابط ط دار الهيثم.