قول الله تعالى :" مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى " ورد فى القرآن الكريم فى أربعة مواضع هى :

1 - " فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ" [آل عمران: ١٩٥].

2 – "وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا" [ النساء: ١٢٤].

3 – " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [النحل: ٩٧].

4 – " مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ" [غافر: ٤٠].

تشابهت مع قول الله تعالى:

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير"ٌ [الحجرات: ١٣].

و قوله تعالى: :" وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى" [النجم: ٤٥] ،" فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) " [القيامة]

موضع التشابه :

1 - العطف بحرف العطف (أو) فى المواضع الأربع الأُول بينما فى غيره العطف بالواو.( اختلاف حرف العطف ).

2- اختلاف التعريف و التنكير للفظى الذكر و الأنثى.

فالجمع بين الذكر و الأنثى ورد فى القرآن الكريم على ثلاث صور هى :

قوله تعالى : " من ذكر أو أنثى " [فى المواضع الأربعة الأول]، و قوله : " من ذكر و أنثى "[موضع الحجرات] ، و قوله : " الذكر و الأنثى "معرفتين معطوفتين بالواو و هذا فى باقى المواضع .

توجيه ذلك

1 - الآيات الأربع الأُول ذكر فيها العمل الصالح و الله يُثيب عليه عامله ذكرا كان أم أنثى فناسب ورودهما نكرتين لتفيد العموم كما ناسب حرف العطف (أو) الذى يفيد التخيير بينما الواو يفيد الجمع فهو لا يناسب تلك المواضع ، بل يناسب المواضع الأخرى التى تتحدث عن خلق الذكر و الأنثى لا عن عملهما الصالح .
فالعطف بالواو يكون عند الحديث عن قدرة الله فى الخلق و العطف بـ(أو) يكون عند المكافأة على العمل الصالح.

2 - هذه المواضع الأربعة المعطوفة بحرف العطف (أو) متتالية فى القرآن الكريم أى لم يرد بينها موضع معطوفا بالواو ؛ فأول المواضع المعطوفة بالواو هو موضع سورة الحجرات.

3 - أما ذِكْر لفظى الذكر و الأنثى فى هذه المواضع فيوضحه فى سورة آل عمران سبب النزول.

حيث ورد فى سبب نزولها:

قَوْلُهُ تَعَالَى: "ﭐ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ " الْآيَةَ 195 .

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إبراهيم النصراباذي قال: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو إِسْمَاعِيلُ بن نجيد قال: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بن سوار قال: أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُمَرَ بن أَبِي سَلَمَةَ، رَجُلٍ مِنْ وَلَدِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أَسْمَعُ اللَّهَ ذَكَرَ النِّسَاءَ فِي الْهِجْرَةِ بِشَيْءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى " الْآيَةَ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَاهَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ سُفْيَانَ." ([1]).

و كانت السيدة أم سلمة – رضى الله عنها – أول مهاجرة و قصتها فى الهجرة و تفريق الكفار بينها و بين زوجها و ولدها معروفة.فذِكْر الأنثى هنا تكريم لدور المرأة فى الهجرة و تعظيم له .

و ناسب فى هذه السورة ذكر لفظ (الأنثى) لوروده فى أولها مرتين فى قوله تعالى :

"فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) "

و من الملاحظ أن سورة آل عمران سميت باسم آلٍ اصطفاهم الله على العالمين و عندما تحدث عنهم ذكر امرأة عمران و الأنثى التى وضعتها فناسب ذلك أيضا ذِكر الأنثى آخر السورة.

و من الملاحظ أن سورة النساء ذُكِر فيها لفظ ( أنثى ) مفردا و مثنى (الأنثيين ) و مجموعا (إناثا )، كما أنها كثيرا ما تجمع بين المؤنث و المذكر فى مثل قول الله تعالى : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) " ، ومثل قوله تعالى: "وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ "الآية 12.

و سورة النحل ورد فيها تشاؤم الكفار بميلاد الأنثى فى قوله تعالى: "وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) ".

فذِكْر الأنثى معطوفا بـ(أو) فى هذه المواضع ليدل على أنها و الذكر سواء فى الأجر على العمل الصالح ، كما أن فيه تكريم لها و تنبيه لمن كانوا يتشاءمون لمولدها.

و من الملاحظ فى القرآن الكريم أن لفظ الذَّكر لم يرد إلا مقرونا بلفظ الأنثى بينما ورد لفظ الأنثى منفردا عنه و سابقا عليه([2]).

المصادر

1 – القرآن الكريم .

2 - سنن الترمذى .

2 - أسباب نزول القرآن لأبى الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعى ط: دار الإصلاح - الدمام.
3 – المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم

المؤلف :محمد فؤاد عبد الباقى

طبعة : دار الحديث القاهرة مطبعة دار الكتب المصرية 1364هـ

4 – تيسير المتشابه اللفظى فى القرآن الكريم

المؤلف : محمد بدرى الضابط – ط :دار الهيثم.



[1] - أسباب نزول القرآن لأبى الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعى ج1 ص139ط دار الإصلاح - الدمام.و الحديث ورد فى صحيح الترمذى باب تفسير القرآن عن رسول الله – صلى الله عليه و سلم – مرفوعا ج 5 ص118 رقم3023 و الحديث صحيح،كما ورد فى المستدرك على الصحيحين للحاكم باب من سورة آل عمران ج 2 ص 328 رقم 3174 قال : «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ».

[2] - ذلك فى قوله تعالى:" و الأنثى بالأنثى" سورة البقرة الآية178 ، و قوله تعالى :"قالت رب إنى وضعتها أنثى" سورة آل عمران الآية 36 ، فهذه ثلاثة مواضع سبقت (الأنثى) فيها و انفردت ، أما المواضع التى انفردت فيها فهى : "اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8)"[الرعد] ،" وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58)"[النحل] ،" وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11)"[فاطر] ، " إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47)"[فاطر] ، " إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (27)"[النجم].