آية المائدة ورد قبلها قوله تعالى : (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) ، وورد التصديق لعيسى عليه السلام فوسمهم فيها بالصدق وهو أسنى حالات الإيمان وقد قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) ، فالصدق حال الأنبياء والرسل وأولى السوابق." ([1]).لذلك كان الجزاء على الصدق بالخلود الأبدى.

و أما الآية الثانية و العشرون من سورة التوبة فهى تتحدث عن المؤمنين المهاجرين المجاهدين وهم أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ من أهل السقاية والعمارة وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ. وعن ابن عباس رضى الله عنه: هي في المهاجرين خاصة ، و من الملاحظَ أنَّهُ تَعَالَى عَبَّرَ عَنْ دَوَامِ بقائهم فى الجنة بِثَلَاثِ عِبَارَاتٍ: أَوَّلُهَا: مُقِيمٌ وَثَانِيهَا: خالِدِينَ فِيها وَثَالِثُهَا: أَبَداً كما وصف أهلها بثلاث صفات هى الإيمان و الهجرة و الجهاد.

وأما الآية الثانية من سورة براءة ففيها: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) وسبقية هؤلاء رضوان الله عليهم وما عرف من حالهم وأنهم صفوة المحسنين من هؤلاء الأمة معلوم ملحق لهم بنمط الأعلين من الصادقين من أتباع الرسل فلما كان المشار إليهم فى الآيتين هم الأسوة والقدوة لمن سواهم ناسب حالهم الإطناب فذكر الرضا والتأبيد ولم يقع فى الآيات البواقى وصف يلحق أصحابه بهؤلاء وإن شملهم الرضا والخلود فى الجنة "([2]).

و ذكر الإمام الرازى أن السبب فى ذكر لفظ (أبدا)هنا أن الله ذكر قبله ثواب المؤمنين من الأعراب بقوله تعالى : (سيدخلهم الله فى رحمته)فبين هنا أن السابقين من المهاجرين و الأنصار منزلتهم أعلى فقال : " اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ فَضَائِلَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ مَا يُنْفِقُونَ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ، وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ، بَيَّنَ أَنَّ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِمْ مَنَازِلَ أَعْلَى وَأَعْظَمَ مِنْهَا، وَهِيَ مَنَازِلُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ.. اخْتَلَفُوا فِي السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَنْ هُمْ؟ وَذَكَرُوا وُجُوهًا: الْأَوَّلُ:قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ وَشَهِدُوا بَدْرًا ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ هُمُ الَّذِينَ بَايَعُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ. وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُمُ السَّابِقُونَ فِي الْهِجْرَةِ، وَفِي النُّصْرَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مَنِ اتَّبَعَهُمْ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ الرِّضْوَانَ وَالثَّوَابَ، بِشَرْطِ كَوْنِهِمْ مُتَّبِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ."([3]).

و أما آية التغابن فقبلها ذكر الإيمان بالله و الرسول و القرآن الكريم (النور الذى أنزلنا ) و وصف يوم القيامة بيوم التغابن ، و التغابن لدخول أهل الجنة دارهم خالدين فيها أبدا وأنهم يرثون ديار الكافرين فيها،و دخول الذين كفروا و كذبوا النار خالدين فيها ([4]).

"الغبن لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء"([5]).

وأما آية الطلاق "فوجه ذكر التأبيد فيها ما تكرر فى هذه السورة من ذكر غايات و نهايات بينها قوله تعالى: (قد جعل الله لكل شئ قدرا) فلما أشارت آى السورة إلى غايات ونهايات ناسب ذلك التعريف بأن خلود الجنة متأبد لا انتهاء له.

وأما آية البريئة (البينة) "فإنها على مقتضى الترتيب آخر آية ذكر فيها حال المؤمنين فى الجزاء الأخروى معقبا به ذكر جزاء مَن كان مِن مستوجبى النار على التأبيد فكانت هذه الآية مظنة استيفاء للحال فوردت ورود الآيتين قبلها." ([6]).

سُّؤَالُ فى سورة البينة: " مَا السبب في أنه لم يقل هاهنا – الآية 6- خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، وَقَالَ فِي صِفَةِ أَهْلِ الثواب: خالِدِينَ فِيها أَبَداً [البينة: 8] ؟

الْجَوَابُ: للتَّنْبِيه عَلَى أَنَّ رَحْمَتَهُ أَزْيَدُ مِنْ غَضَبِهِ ، ورُوِيَ حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا دَاوُدُ حَبِّبْنِي إِلَى خَلْقِي، قَالَ: وَكَيْفَ أَفْعَلُ ذَلِكَ؟ قَالَ: اذْكُرْ لَهُمْ سَعَةَ رَحْمَتِي،فَكَانَ هَذَا مِنْ هَذَا الْبَابِ." ([7]).

أما الآيات التى ذكرت التأبيد مع العذاب – وهى ثلاث آيات - فإن المقصود بها الكافرين كما ذكر الإمام الرازى :" وَاعْتَبِرْ هَذِهِ الدَّقِيقَةَ، فَإِنَّهُ أَيْنَمَا ذَكَرَ الثَّوَابَ قَالَ: خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَأَيْنَمَا ذَكَرَ عِقَابَ الْفُسَّاقِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ ذَكَرَ لَفْظَ الْخُلُودِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ التَّأْبِيدَ "([8]).

فآية سورة النساء تتحدث عن أهل الكتاب وتعنتهم بطلبهم نزول كتاب من السماء و صدهم عن سبيل الله و ظلمهم بكتمان وصف النبى – صلى الله عليه و سلم – و الله قد أوحى إليه قال:( لكن اللَّه يشهد )، بمعنى أنهم لا يشهدون لكن اللَّه يشهد. و هذا ما ذكره أئمة المفسرين .

"و اعْلَمْ أَنَّ هَذَا مِنْ صِفَاتِ الْيَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ وَبِالْقُرْآنِ وَصَدُّوا غَيْرَهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّه، وَذَلِكَ بِإِلْقَاءِ الشُّبُهَاتِ فِي قُلُوبِهِمْ .....، وَقَوْلُهُ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً وَذَلِكَ لِأَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ ضَلَالًا مَنْ كَانَ ضَالًّا وَيَعْتَقِدُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ مُحِقٌّ، ثُمَّ إِنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ الضَّلَالِ إِلَى اكْتِسَابِ الْمَالِ وَالْجَاهِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَبْذُلُ كُنْهَ جُهْدِهِ فِي إِلْقَاءِ غَيْرِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الضَّلَالِ، .... فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً وَلَمَّا وَصَفَ تَعَالَى كَيْفِيَّةَ ضَلَالِهِمْ ذَكَرَ بَعْدَهُ وَعِيدَهُمْ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا مُحَمَّدًا بِكِتْمَانِ ذِكْرِ بِعْثَتِهِ وَظَلَمُوا عَوَامَّهُمْ بِإِلْقَاءِ الشُّبَهَاتِ فِي قُلُوبِهِمْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ.

وَاعْلَمْ أَنَّا إِنْ حَمَلْنَا قَوْلَهُ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى الْمَعْهُودِ السَّابِقِ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى إِضْمَارِ شَرْطٍ فِي هَذَا الْوَعِيدِ، لِأَنَّا نَحْمِلُ الْوَعِيدَ فِي الْآيَةِ عَلَى أَقْوَامٍ عَلِمَ اللَّه مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَمُوتُونَ عَلَى الْكُفْرِ، وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ أَضْمَرْنَا فِيهِ شَرْطَ عَدَمِ التَّوْبَةِ، ثُمَّ قَالَ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ.ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: "خالِدِينَ فِيها أَبَداً "([9]).

"قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا) يَعْنِي الْيَهُودَ، أَيْ ظَلَمُوا مُحَمَّدًا بِكِتْمَانِ نَعْتِهِ، وَأَنْفُسَهُمْ إِذْ كَفَرُوا، وَالنَّاسَ إِذْ كَتَمُوهُمْ. (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) هَذَا فِيمَنْ يموت على كفره ولم يتب."([10]).

و أما آية سورة الأحزاب فقبلها (إن الله لعن الكافرين)و لم يرد هذا اللفظ بهذا التركيب فى القرآن الكريم إلا فى هذا الموضع. "و اللَّعْنُ: الطّرد والإبعاد على سبيل السّخط، وذلك من الله تعالى في الآخرة عقوبة، وفي الدّنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه " ([11]).فهم خالدون فى النار أبدا بعد انقطاعهم من رحمته تعالى .

و آية سورة الجن فتتحدث عن الكفر" لأَنَّ هَذَا الذَّنْبَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ لذا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ) مُتَنَاوِلًا لِمَنْ أَتَى بِكُلِّ الْمَعَاصِي، وَالَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ هُوَ الْكَافِرُ، فَالْآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالْكَافِرِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ"([12]).

و ذكر ذلك الإمام القرطبى فى قوله :"وَقَوْلُهُ أَبَداً دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعِصْيَانَ هُنَا هُوَ الشِّرْكُ." ([13]).
المصادر


[1] - ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل للإمام الحافظ العلامة أبى جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي العاصمي الغرناطي ج1 ص101 .

[2] - ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل للإمام أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي ج1 ص 101 ط .

[3] - مفاتيح الغيب للإمام أبى عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازى ج 16 ص 127 ط دار إحياء التراث العربي – بيروت.

[4] - ﱡ ذلك يومُ التغابُنِ ﱠ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه من أسماء يوم القيامة , ومنه قول الشاعر:

(وما أَرْتجي بالعيش من دارِ فُرْقةٍ ... ألا إنما الراحاتُ يوم التغابنِ)

الثاني: لأنه غبن فيه أهل الجنة أهل النار , قال الشاعر:

(لعمرك ما شيءٌ يفوتُك نيلُه ... بغبْنٍ ولكنْ في العقول التغابنُ)

الثالث: لأنه يوم غَبَنَ فيه المظلومُ الظالمَ , لأن المظلوم كان في الدنيا مغبوناً فصار في الآخرة غابناً. ويحتمل رابعاً: لأنه اليوم الذي أخفاه اللهُ عن خَلْقه , والغبن الإخفاء ومنه الغبن في البيع لاستخفائه , ولذلك قيل مَغابِن الجسد لما خفي منه. وَالْغَبْنُ: النَّقْصُ. يُقَالُ: غَبَنَهُ غَبْنًا إِذَا أَخَذَ الشَّيْءَ مِنْهُ بِدُونِ قِيمَتِهِ.

من تفسير النكت والعيون للإمام ابى الحسن على بن محمد الماوردى ج 6 ص 23 ط دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان.

[5] - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل لأبى القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله ج 4 ص 548 ط: دار الكتاب العربي – بيروت.

[6] - ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل ج1 ص 102بتصرف يسير .

[7] - مفاتيح الغيب للإمام الرازى ج 32 ص 252 ط دار إحياء التراث العربي – بيروت. عَدْنٍ يُفِيدُ الْإِقَامَةَ: يُقَالُ: عَدَنَ بِالْمَكَانِ أى أقام فيه.

[8] - مفاتيح الغيب للإمام الرازى ج 12 ص 469. و هذا خلافا لمن يرون خلود أهل الكبائر فى النار وقد نص المؤلف على ذلك فى أكثر من موضع فى تفسيره منها قوله "وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى فِي أَكْثَرِ آيَاتِ الْوَعْدِ ذَكَرَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَلَوْ كَانَ الْخُلُودُ يُفِيدُ التَّأْبِيدَ وَالدَّوَامَ لَلَزِمَ التَّكْرَارُ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الْخُلُودَ عِبَارَةٌ عَنْ طُولِ الْمُكْثِ لَا عَنِ الدَّوَامِ، وَأَمَّا فِي آيَاتِ الْوَعِيدِ فَإِنَّهُ يَذْكُرُ الْخُلُودَ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّأْبِيدَ إِلَّا فِي حَقِّ الْكُفَّارِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِقَابَ الْفُسَّاقِ مُنْقَطِعٌ ج 11 ص225.

[9] - مفاتيح الغيب للإمام الرازى ج 11 ص 270،269.

[10] - الجامع لأحكام القرآن لأبى عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي ج 6 ص 20 .

[11] - المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهانى ، مادة (لعن) ج 1 ص 741 .

[12] - مفاتيح الغيب للإمام أبى عبد الله الرازى ج 30 ص 677،676 .

[13] - الجامع لأحكام القرآن لأبى عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي ج 19 ص27 .
14 - كتاب تيسير المتشابه اللفظى فى القرآن الكريم .