كيف تنمي ثقتك بنفسك؟

أكثر العوامل التي تجعل الإنسان ينجح في حياته هي مسألة الثقة بالنفس، لكن من الناس من يكتسب مهارات ممتازة و إمكانيات جيدة في حياته، و بسبب عدم الثقة بنفسه يفشل في تحقيق أهدافه المرجوّة!

وفي دراسة سبر الآراء حول الثقة بالنفس، أظهرت أن الثقة بالنفس تضعف و تهتز في ثلاث مواقف مرتبة حسب أهميتها:

1- في الامتحان

2- عند مواجهة الآخرين

3- في الشغل

و من أهم الأمثلة التي تكسب الإنسان ثقته بنفسه هي مسألة تسلق الجبال، حيث يقول الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي: ومن لا يحبّ صعود الجبال *** يعش أبد الدهر بين الحفر.

و المشكلة تكمن في أن الإنسان الذي يخاف من الفشل، هو ذاته الذي تهتز ثقته بنفسه، حيث نجده يخاف و يتحاشى الامتحانات، والمسابقات، وغيرها من التظاهرات الثقافية أو الرياضية، و حتى مناظرات الدخول إلى سوق الشغل، بدعوى هاجس الفشل في المهمة.

بينما الإنسان الواثق بنفسه، نجده متهيئا نفسيا لأي مهمة يكلف بها، حيث أنه يصرح بأنه قادرا على القيام بها، و أنه لها، وإن فشل في الأمر فلا يهمّه ذلك، لأنه مدرك بأنه سيتعلم من تلك التجربة و لو فشلت، بل مستعدّ بأن يعيد الكرّة حتى يصل إلى مبتغاه.

لماذا تهتزّ ثقتي بنفسي؟

ومن ضمن الدراسات التي اهتم بها العالم، هي موضوع الثقة بالنفس،و أسباب اهتزازها حيث اكتشف أن الإنسان خلقه الله سبحانه و تعالى على فطرته، مكتسبا لصفة الثقة بالنفس اللامتناهية، لكن كلما نسي نفسه و نسي إلهه الذي خلقه، يعمل بآراء الناس كيف يلبس و كيف يعمل و كيف يتصرف... تبدأ ثقته تهتزّ وتتأثر بكلام الآخرين و أفكارهم، يعني العمل بالإملاءات الخارجية دون الاعتماد على نفسه و الاستعانة بالله، فلو شارك إنسان في المجال الرياضي مثلا في تحدّ للوصول إلى هدف معيّن، وانهالت عليه عدة آراء و انتقادات بصورة مسترسلة، قصد تحطيم العزائم و تثبيطها، لاستوعب هذا الرياضي الرسائل السلبية، وفشل في كسب الرهان و التحدّي، وبالتالي ان يصل لتحقيق مراده، لأنّ ثقته بالله مهتزّة وذهنه مبرمج على الدعم الخارجي، الذي لن ينفعه بتاتا.

كيف أكتسب ثقتي بنفسي؟

فثقتي بنفسي لا تأتي إلا من عند الله، حيث أني خلقت من نفخة من روحه، و انتسابي إلى الله يجعلني في موقف قوة، بل يزيدني إلا ثباتا و رشادا و ثقة بنفسي في مواقفي و توجهاتي و أعمالي، لأني أستشعر من داخلي فعلا أن ربي معي.

وفي كل الحالات لا يمكن لنا أن نكتسب الثقة بأنفسنا إلا من الداخل، يعني باعتمادنا على أنفسنا و الاستعانة بالله خالقنا وهو على كل شيء قدير، أي في كل خطوة أخطوها، إلا و أضع في ذهني إلا خالقي الذي أعتمد عليه في تحقيق غاياتي و أهدافي التي رسمتها لنفسي، و معاملاتي مع الناس تدخل في خانة الأخذ بالأسباب التي أمرنا بها الله يعني الوسائل الكفيلة لبلوغ الأهداف المحددة.

كيف تتكوّن الثقة بالنفس لدى الإنسان و كيف تسحب منه؟

منذ ولادة الإنسان، وهو رضيع ويشرع في رضاعة ثدي أمّه فطريا، يفشل مرارا، و يعيد الكرّة، فتبدأ الثقة بنفسه تتجلّى شيئا فشيئا، ثمّ في مرحلة أخرى وهي مرحلة الطفولة، يبدأ الطفل في الحبو، ويسقط ثم يواصل، فيشعر بالبهجة و السرور لأنّه كسب التحدي، و تأتي مرحلة المشي، فيحاول و يترنّح، ثمّ يسقط و ينهض و يواصل المشي،ليجد المتعة و النشوة في تلك العملية التي لا تزده إلا إصرارا على مواصلة السير و المشي، التي من شأنها إلاّ أن تمتّن ثقته بنفسه و تنمّيها، ثم تأتي مرحلة الكلام، وهو علميا أكبر معجزة في تاريخ الإنسان، الذي يتعلم منه الطفل من والديه عدة دروس في النطق و اللغة، وفيما بعد تركيب الكلمات، ثم الجمل، و يفشل الطفل في محاولاته الكلامية سنة أو سنتين مثلا ،و بفضل الإصرار و التشبث يحقق معجزة الكلام لبلوغ العلم و المعرفة.

و تتواصل ثقته بنفسه عند مرحلة الدراسة، التي بإمكانها أن تتطور إذا أحسن والديه و مربيه التعامل معه، دون مسّ مشاعره و تحطيم معنويّاته، كأن يقال له أنت فاشل، أنت لا تقدر، أنت دون المستوى.

فكلّ هذه الرسائل السلبية، تسلب منه ثقته بالنفس الفطريّة و تجعلها تضمحلّ شيئا فشيئا، حتّى تفقد نهائيّا.

كيف يجب علينا كآباء و أمّهات التعامل مع أبنائنا لكسب الثقة بأنفسهم؟

فعند مرحلة الطفولة، و قبل الدراسة يمكن للأمّ أن تشرّك ابنها في القيام ببعض المهامّ المنزلية، و تثمّنها عند إتمامها، و تشجّعه و تحثّه على المواصلة، عند تعثّره على إتمامها لأيّ سبب من الأسباب كأن تقدم له مكافأة معيّنة بعد الإنجاز، وبالتالي قد تكون الأم ساهمت في تنمية ثقة ابنها بنفسه، و غرست فيه روح المسؤولية.

أمّا على مستوى علاقة الأب بابنه، فتكمن مثلا في أن ينزل الأب إلى مستوى ذهن ابنه و يشاركه ممارسة اللعب بلعبه و أشيائه الخاصّة به، وكذلك يمكن له أن يصطحبه إلى مكان ما خارج المنزل لقضاء بعض الحاجيات، وفي مرحلة بعد يمكن أن يكلفه هو بنفسه لأنّه عوّده على القيام بالمسؤوليات وتجذّرت فيه.


و عن المستوى القيمي و الأخلاقي فإنّ للوالدين مسؤولية تنشئة ابنهم على حبّ الله و رسوله، و أنّ الله هو الذي خلقنا و أوجدنا في هذا الكون، و أنّنا بدونه لا نساوي شيئا، ولا نقدر على تحقيق أيّ شيء مفيد في حياتنا، و يتجلّى ذلك خاصّة في تحفيزه على حب القرآن الذي يمثل كلام الله سبحانه و تعالى، و ذلك بقراءته و حفظه،و العمل بما جاء فيه، و كأقوى مرجع نلتجئ إليه عند الاقتضاء، أمّا عن الصلاة فيجب غرس مفهوم صلة الإنسان بعبده، كمبدإ قويّ في ذهن الابن، إذ أن الصلاة هي الدعاء، وإن أخلصنا الدعاء سنحصل على الإجابة، حيث قال الله تعالى"ادعوني أستجب لكم" ، وإن تربى الطفل على هذه القيم و المبادئ الدينية و الخلقية، لا تزده إلا أكثر إيمانا و ثقة بنفسه.

لا نعتمد على الآخر لكسب الثقة بأنفسنا

فلو اعتمد الإنسان على آراء الآخرين و توجهاتهم، و يستمد ثقته منهم لظل رهين التطلعات الخارجية، كأن قال له أباه افعل كذا و لا تفعل ذلك، أو أشارت له أمه أن يمشي كذا ولا يلبس كذا، و يدعوه صديقه إلى التوجه إلى مكان ما، و كل هذه العوامل لا تزده إلا انكماشا على نفسه، و أكثر فقدانا للثقة بنفسه.

فخلاصة الاستنتاج الذي توصّلنا إليه، أنني كإنسان يجب أن أربط ثقتي بالله سبحانه و تعالى، و أن أكن متأكّدا، بأن لا حول و لا قوة لي إلا بالله، فكلما ازدت يقينا و إيمانا، سينصرني الله حتما، حيث يقول سبحانه و تعالى "كان علينا حقا نصر المؤمنين"، يعني لو أنا واثق ومؤمن وأريد النجاح، وهب لي الله حق النجاح، فأول ما أكن واثقا و مؤمنا أفوض أمري إلى الله الذي يتصرف و يلهمني سبل النجاح.

و نحن كأمة إسلامية، حيث نخوض حروبا و تفشل ونتعرض إلى عدة أزمات و نكسات، وانخفاض مستوى قواتنا و مواقفنا بين الدول، و خاصة الغربية، ونحن في الضياع ،فلسنا بمؤمنين حقا، و لو صلينا و صمنا، و قمنا بكافة فرائضنا الدينية، فأول ما نكن مؤمنين وواثقين من نصر الله سننتصر.

فثقتي بنفسي أستمدها من ثقتي بالله، و نفسي هي عبارة على نفخة من روح الله، فإذا توكلت على الله حق توكل، فهو سينصرني و ينجّحني و يوفّقني لما فيه خيري الدنيا و الآخرة، و تزداد ثقتي بنفسي، في كل خطوة أخطوها و أقدم عليها، شرط أن لا أظلم أحدا في هذه الدنيا، بل لا أعمل إلا بما جاء في الكتاب و السنة و ما أمرنا به الله سبحانه و تعالى.

تحياتي ولكم مني جزيل الشكر على المتابعة

المصادر:

الدكتور أحمد عمارة

https://soundcloud.com/bait-al-hikma/dr-ahmed-emara-self-confident

الصور

Pexels

https://www.pexels.com/fr-fr/