عندما وضعتني الأقدار على أرض المعركة، 

بين  رُفقاء السلاح والأعداء، 

وبين الحرب وويلاتها وويلات معازف الرصاص من المراكب والبنادق، 

أدركت أن لكلٍ في الحياة رنةٌ هي وزنٌ لمعزوفته الخاصة،

وأدركت أنه لا بد من إتخاذي لرنة الرصاص وزنا لمعزوفتي. 

                                                                                 الجنرال ويلسون


النساء حاضرات بحسنهن الذي لا يتم أي زفاف إلا به، ولكن وجوههن إلتهمتها ملامح الحيرة وملامح الحزن والأسى، يتسائلن: أي زفاف هذا؟! هل يُعقل زفاف بلا موسيقى؟ هل يُعقل زفافٌ الموسقى فيه هي دوي القذائف والرصاص؟! ثم قالت إحداهن للأخرى: هل يمكن أن يكون مايقوله الرجال بشأن ويلسون صحيح؟ 

لقد أفقدت الحرب العظمى ويلسون صوابه، هذا ماكان يردده الرجال، الحاضرين ببذلاتهم الأنيقة ووجوهم المكتئبة.

ثم لم تمضي لحضات حتى دخل ويلسون يمشي بهدوء ووقار غرفة المعيشة أين تواجدت إبنته العروس وزوجها.

العريس مُحتار من أمره، فهذا يوم زفافه حُوّل يوم معركة. والعروس تبكي بصمت، لا دموع نازلة ولكن عيناها تحكي كل شيئ! 

منظر أنيق، لحية سوداء كثيفة يتخللها بعض الشعر الأبيض الوقور، تسريحة شعر تليق بسنه، وبذلة بيضاء أنيقة، بهذا تقدم ويلسون نحو مجلس الزوجين بينما كان الجميع يحدق إليه بشفقة، تقدم مخاطبا العريس: بُني أنا فخور بك، فخور بما فعلته.

هذا ما تربيت عليه سيدي، رد عليه العريس ثم واصل خطابه ناظرا إلى زوجته: إن إبنتك هذه لا تستحق أقل من زوج يحبها، يُقدّرها هي، ويُقدّر قلبها.

هذا وتقدم ويلسون إلى إبنته ليسيا التي ظلت مُطأطأة رأسها حياءا وخجلا، أهلا ملاكي، قال ويلسون مُخاطبا، ستكونين أجمل أم! يجب أن تكوني سعيدة إبنتي! 

إن ليسيا ملاكي في هذه الدنيا، قال ويلسون للعريس، فلا تهملها بني!

في هذه اللحظات تقدم نورمان، رفيق ويلسون في السلاح، تقدم وقال بصوت خافت: سيدي! 

نورمان، أهلا بني، لطالما أخبرتك أننا لسنا في ساحات الوغى، نحن الآن في الديار، فلا تُسيّدني، أنا الآن صديقك! 

حسنا... كنت أتسائل إن كنت تريد أن تسمع شيئا آخر؟

ألم تُعجبك الموسيقى؟ ألا يُعجبك صوت دوي القذائف النازلة من منطاد زبلن؟ أحبه وإن كان سلاح العدو.  

سيدي هذه ليست موسيقى! 

نورمان، إني أريد أن أمضي قدما، أترك ما عرفته في الحرب خلف ظهرك، ولا تُسيّدني بني! 

وهنا إنتهى الحوار، كانت نبرة حازمة تلك التي تكلم بها الجنرال، كانت أمرا من رئيس إلى مرؤوس. 

عاد نورمان أدراجه ليجلس على طاولته أين برنارد رفيقه في السلاح كان جالسا. 

ماذا نحن فاعلين؟ سأل برنارد 

لا أعلم، رد نورمان، كل ما أريده الآن هو تغيير هذا الصوت اللعين! بعد عودتي من الحرب لم أعد أريد سماع شيئ غير موسيقى هادئة تبعث على نفسي الراحة.

لم أكن أسأل عن الموسيقى ولكن ألا تبعث هذه الموسيقى الراحة؟ سال برنارد

إرحمني يا رجل!

ألا يبعث في نفسك الراحة أن تسمع صوت الرصاص ودوي القذائف ثم تنظر بجانبك فترى رفيقك في السلاح يحميك؟! إن الرفاق على حق، لقد تغيرت يا نورمان، لقد أصبحت منهم؛ من العامة. 

هل إنتهيت؟ سأل نورمان، نحن لسنا في حرب نحن في زفاف، أليس فيكم رجل رشيد!؟ 

عد إلى رشدك وستستوعب رشادنا! إن الدنيا حرب لا قبل للبشر بها إلا إذا إعتادوا عليها وصوت الزناد يُسحَب هو من الاشياء التي تساعد العقل على التأقلم. 


ذلك الصوت المرعب كان يغشى المنزل عندما دخل غوردن، شقيق العروس، وتقدم بعدما دفع الباب بقوة إلى والده مخاطبا إياه: أبي! أنهي هذه المهزلة! 

أتركه وشأنه! صرخت أليسيا بصوت باكي، هذا يوم زفافي أنا، وفيه يسمع أبي ما يريد! 

أبوك ذهب، أبوك الآن في عالم آخر! 

أبي هنا! صرخت أليسيا بصوت يعاني، هو فقط لم يعتد على أمرنا... ثم إنفجرت باكية وإنطلقت مسرعة نحو غرفتها ليلحق بها شقيقها فقد علم في قرارة نفسه أنه كان قاسي! 

بينما الجميع يحدق محتارا مندهشا تراجع ويلسون ببطئ والدموع تغمر عينيه ثم صعد السلم متجها إلى غرفته. 

فتح باب غرفته ودخل، وضع كرسا بجانب مكتبه وجلس عليه، ثم حمل مذكرة كانت قريبة منه وأخذ قلما ثم جلس مطولا يحدق في السقف ويقلب عينيه في الغرفة ثم بدأ يكتب: 

         عندما وضعتني الأقدار على أرض المعركة، بين رُفقاء السلاح والأعداء، وبين الحرب وويلاتها وويلات معازف الرصاص من المراكب والبنادق، أدركت أن لكلٍ في الحياة رنةٌ هي وزن لمعزوفته الخاصة، وأدركت أنه لا بد من إتخاذي لرنة الرصاص وزنا لمعزوفتي. لا أحد يقدر هذا الصوت... لا أحد يحب هذه الموسيقى... إن ماكان يعينني على الصبر هو هذا الصوت، سنوات من الطرب جعلتني أختار إسما لهذه الموسيقى الرائعة؛ معزوفة الزناد سميتها...