سوفَ أبدأ من هذه النقطة البعيدة، مُذ أن تقاسمت أقدامنا الطريق معًا، كُنتُ شخصًا يحترفُ الهَمجيَّة، لا يهتمُّ بشيء، إلى أن عثرَ عليكِ فتغيّرت نظرته إلى الدنيا. 

لقد تشبَّثتُ بكِ بتلك القوة التي من الممكن أن أتشبَّثَ بها في حافّة جبلٍ؛ كي لا أسقطَ في حفرة من النار تنتظرني عند السَّفح، أحببتُكِ حدَّ الجنون، إنَّ للحياةِ معكِ طعمًا آخر، ربما لا تضاهيه ثمرة نبتت في الفردوسِ الأعلى، وأنا الذي كنتُ أهربُ إلى النومِ كثيرًا، أصبحتُ أرغبُ في أن يمرَّ الليلُ سريعًا، لأنَّ لقاءً في الصباح سوف يجمعني بكِ. 

ولا أخفيكِ؛ لقد أصبحتُ أسابقُ الزمنَ كي أنجحَ، دونَ أيّةِ أطماعٍ سوى أن أبدو أمامكِ ناجحًا، لم أهتم يومًا بأن يتابعني الملايين، أرغبُ فقط أن تخبريني بأنَّ ما خطَّته يدي قد نال إعجابكِ، وهذا يكفي. 

لن أخجلَ إذا أخبرتكِ أنني كنتُ أحسبُ نفسي إنسانًا سيّئًا، و منذُ عرفتُكِ، بدأتُ أنزعُ عن نفسي كل شيء سيء، أحببتُ أن أكونَ لكِ شخصًا لا غبارَ عليه، لأني أرى أنكِ تستحقّينَ ذلك. 

إنَّ الصدمةَ الأولى تقوّي الشَّخصَ، تجعلُ منه شخصًا قادرًا على مواجهة الكثير من التحدّيات، لكن الصدمة الثانية تقتله، بلا رحمة. 

لا رغبةَ لديَّ في الاستماع إلى شيء، سواء اتهاماتٍ أو تبريرات، لا طاقةَ لديَّ لأن أتحملَ أي شيء. 

الألم يشطرُ رأسي إلى نصفين؛ لكنّه لم يكُن بالقدر الكافي ليشغلني عن آلامٍ أخرى؛ لذلك لجأتُ إلى تجربة أشكالٍ من الآلام الجسدية الأخرى، ربما شدة الألم تطغى على آلامٍ لا طاقة لي بها. 

كنتِ كثيرًا ما تقولين: أنا سندٌ وظَهر، أنا معكَ دائمًا، باللهِ، لا تُكثري من قول ذلك بينما تحترفينَ إفلاتَ يدي. 

أرقدُ في على سريرٍ صغير في مستشفى حكومي، قليلة التكاليف، أخبرني الطبيبُ منذ قليل أنَّ بإمكاني المغادرة غدًا، هاتفي بعيد عنّي، لكنّي أحتفظ في حقيبتي بقلم وأوراق دائمًا، لا أدرى لماذا أكتبُ الآن بالرغم من أنني تركتُ الكتابة وأعلنتُ ذلك، ولكن كما اعتدتُ مؤخَّرًا، لم أعد أشعر براحة إلا حينما أُفضفِضُ معكِ. 

لكنَّ النافذة التي أطلُّ منها عليكِ مغلقةٌ الآن، تمنيتُ لو أنكِ فكّرتِ قليلًا، هل سبقَ لي أن قمتُ بإغلاقها ذات يوم؟! أنا لم أفعل ذلك أبدًا، لكنّها المرّة الثانية التي تقومين بإغلاقها بهذا الشكل المُهين لي، كم أشعرُ بالضآلة الآن! وأنا ممنوع من الوصولِ إليكِ. 

منذ الصباحِ وأنا فاقد الإحساس بكل شيء، جسدٌ أجوَفُ دون روح، ما أقسى ذلك الإحساس. للمرة الثانية التي أقول فيها تلك الكلمات، أنت لا تقلُّ عن كونِكَ غرابًا تعيسًا، أغلقت في وجهِكَ نافذتها، لأنها سئمت وجهكَ الأسودَ ونعيقكَ المخيف. 

مُذ أن وضعتُ أقدامي في هذا البلد، وأنا أنتظر عودتي؛ كي أراكِ؛ لتتقاسم خطواتنا الطريق معًا، البحر، شارع بورسعيد، النادي، حديقة البيت، نجلسُ معًا في الشرفة الأرضية، ولكنّي اليوم أفكّر في الهجرة. 

التفكير في الهجرة ليس شيئًا جديدًا بالنسبة لي؛ لقد كنتُ أفكّرُ فيه كثيرًا قبل أن نصبحَ معًا، ولكنّي تراجعتُ عنها لأنَّني أرغبُ أن تنتهي بي الطريقُ عندَ بابِكِ. 

لكنَّ اليوم أرغبُ في الهجرةِ فعلًا، بلا عودة، أعلم أنه قتلٌ للنفس، لكن الحياة دونَكِ أشدُّ فتكًا من ذلك القتل، سوف ينتهي بي الأمر في كندا، أو استراليا، قبرص، الدومينيكا، ولكنّي أفضّلُ الدومينيكا لأنها جزيرة في البحر. 

أعرفُ نهايتي، هي واحدة من بين اثنتين لا أكثر، إمّا صريعًا في حادث طريق، أو غارقًا من التعب في البحر، لذلك؛ أخشى فعلًا أن أموتَ فوق ذلك السرير، أريدُ أن أموتَ واقفًا، وأتمنى أن يحدث ذلك في مكان بعيد، حتى لا يصلُكِ الخبرَ. 

لكن أخبريني؛ بماذا أخبرُ أمّي التي اعتادت أن تسألني عنكِ كل يوم؟! 

لا أستطيع إجابة سؤالي، لكن حتّى هنا، لم أعد أمتلك القدرة على الكتابة، ربما يمنحني القدرُ فرصة؛ لأكتبَ رسالة أخرى.

#محمد_عبدالرحمن_شحاتة