تطمئنني كثيرًا حقيقةُ وجود الآخرة..

هناك .. ربما تختلف قوانين الفيزياء عن ما نعرفه، ولكن ما علينا أن نعرفه هو أن أرواحنا ستكون هي ذاتها التي نملكها اليوم.. سنرى بنفس العيون، سنسمع بنفس الآذان.. سنقف على نفس الاقدام التي تقف اليوم في حافلات النقل وفي صفوف الانتظار في مؤسسة حكومية، سنسير على الصراط بنفس الاقدام التي تسير اليوم في جولةٍ للتسوق أو ربما تركض خلف كرة جلديةٍ لركلها في شبكة مثبتةٍ بإطار معدني.

سنكون نحن بذواتنا.. بوعينا وإدراكنا وشعورنا ذاته.. حتى أننا سنملك نفس القدرة على التذكر ..

سنتذكر وقتها لحظات وتفاصيل كثيرة .. سنتذكر أنفسنا بنفس الطريقة التي نتذكر بها طفولتنا وشبابنا اليوم.. سنتذكر بكل وضوح وسنملك نفس الانفعالات تجاهها.

في الآخرة ..سيمر علينا الوقت كما يمر كل يوم، باختلاف مسمياته وباختلاف ما يعنيه كل مسمى..

سننظر لأيدينا وسنجدها نفس الأيدي التي كنا نستخدمها لنأكلَ ونشرب لعشرات السنين، تلك التي ربما تكون قد كتبت بها منشورًا على أحد المواقع تريد فيه تهميش الدين وسجنَهُ في دور العبادة، أو ربما تكون يد مسلمٍ جائع قرر إيثارًا منه أن يمد بها كسرة خبزٍ لأخيه.

يوم القيامة لن يكون كأحلام النوم أو اليقظة .. لن يكون المشهد ضبابيًّا أو مشوشًا..كل شيء سيكون واضحًا وجليًّا أكثر مما نتصور..

ذلك الإيمان.. يجعلني وبكل ثقة أردد جملةً كلما مررتُ بشخصٍ يجعل من هواهُ فكرةً إبداعيةً وفلسفةً حديثة في التعامل مع قضيةٍ ما.. تلك الجملة هي: "سنعرف إن كنت على حق أم لا في يومِ القيامة".

هناك فقط.. ستتجلى كل الحقائق، ووقتها لن يمكنك أن تنكرها ولن يمكنك أن تصدقها. ذلك ربما يكون غدًا أو بعد يومين أو بعد أسبوع.. أو أقرب أو أبعد من ذلك..

الآخرة ليست رمزًا أو كلمةً نستند عليها كلما فقدنا حبيبًا أو مررنا بمشهدٍ قاسٍ وظالمٍ في الحياةِ الدنيا.. ليست مثل المشهد الأسطوري الذي تصوره لنا مشاهد الخيال العلمي والفلسفةِ في السينما..

هي حقيقةٌ أكثر من أي شيء آخر.. حقيقةٌ أكثر حتى من حياتنا على هذه الأرض.

والإيمان بذلك يعطينا ثقةً كبيرة واتزانًا نفسيًّا نحتاجه لنكمل حياتنا.. والأكثر أهمية يجعلنا نريد أن نعيش أيامنا هذه بشكل يجعلنا أقل ندمًا يوم نقف أمام رب العالمين.