كل مهموم بغير نفسه، وكل إنسان يدعي أنه لا ينام الليل بسبب قضايا الوطن أو الغيرة على الدين أو خوفًا على الناس هو إما كاذب أو واهم أو مخطئ فليس كل مُريد للخير يبلغه.
المسيح عليه السلام مكث بين الناس ثلاثين عامًا دون أن يعترض عليهم، عاش برًّا بوالدته وخادمًا لأسرته، ولمّا جاء بدعوته دعا لأرقى الأخلاق إلى الإطلاق، دعى لأن ينظر الإنسان بداخله قبل أن يتعالى على الناس، لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟
النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وهو أرقى البشر أخلاقًا قبل الرسالة لم يدع اهتمامًا بالشأن العام، لم تثر حفيظته عبادة الأصنام، لم يتصدى لها، كان زوجًا محبًا يحيا في عالمه الخاص ويعبد الله، كما يليق بأي صادق لا يدعي الأشياء، ولولا الوحي ما تحرك محمد ولا دعى لعبادة الله، لأن محمد العربي ليس مصلحًا دينيا كمارتن لوثر الأوروبي، لكنه نبي ببساطة، يتحرك وفق ما يؤمر، بطريقة الآمر لا بطريقته الشخصية، وفي هذا اتساق عظيم مع النفس، صحيح أنه كان يتمزق خوفًا على الناس من ثقل ما أوحي إليه، لكنه كان دومًا مأمورًا بألا تذهب نفسه حسرات، وألا يبخع نفسه، لأن هذا لن يجدي شيئًا، بلغ فقط ما يوحى إليك، يكفي هذا، ليس مطلوبًا منك أكثر من هذا، ولم ولن تكون مسيطرًا على هذه الجموع البشرية يومًا ما، فلتترك كل منهم لخياره الحر، ولتعلم أن هناك مدبر للأمر.
النبي يوسف حين أتيحت له فرصة الخروج من السجن والتكريم اللائق بذكائه وحصافته «قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم» فهو يدرك جيدًا ما يفهم فيه، وما يمكن أن يكون مفيدًا للناس، ما عدا ذلك فهو لن يدعي أنه يحب الناس، أو يريد مصلحتهم، أو يتمنى رفعة شأن الوطن، كل هذه ادعاءات تساقطت في التاريخ آلاف المرات، إن النبي يوسف لا يدعي، سأتولى المنصب وأفعل ما أجيده وأتقاضى راتبي، أما المشاعر الجياشة والحب فأخص بها أهلي وأصدقائي ومن أعرف، أبر بها والدي وأتجاوز عن إخوتي وأحسن إلى المقربين إلي، كما يليق أيضًا بكل إنسان صادق لا يدعي الأشياء.
لا يلغي هذا المفهوم نبل الإنسان وصدق دوافعه في أحيان كثيرة، لأن الدوافع الشخصية قد تكون نبيلة أيضًا، وليس معنى أنها شخصية أنها وضيعة، لكنها غفلة الإنسان عن دوافعه الشخصية هي ما تنتج آلاف الكاذبين والمدعين عبر التاريخ.
النماذج الأخرى التي كانت تدعي الاهتمام العاطفي بغيرها سنجد أنه يتصدرها أمثال هتلر، الذي كان ينصب نفسه مدبرا للأمر وقائدًا للأمّة الألمانية، إلى حد قتل المعاقين كي لا يعوقون مسار تقدم الأمّة، لم يجرؤ أحد أن يخبره أنه يقتلهم لنقص حاد بداخله، نقص لن يجبره لو التهم العالم بأكمله.
لكن هتلر تجاوزه الغرب، بسبب الديمقراطية التي أفرزت مبدأ الكفاءة، الاقتصاد ليس سحرًا، هو ببساطة علم، تقدم لو كنت تفهم فيه وأنقذ الموقف، كذلك الصحة والتعليم والتكافل وسائر ما ينفع الناس، كلها علوم بشرية متاحة للجميع، فإن كنت «حفيظ عليم»، فستجد طريقك لـ«خزائن الأرض»، هكذا ببساطة، ولن نعطيها مرة ثانية لأكثرنا حزقًا، أو حرقة على الوطن، أو همًا بالشأن العام، ولو كان صادقًا في همه، وبالذات لو كان صادقًا في همه، فهنا يكمن الوهم الأعظم.
من كان صادقًا في همه فليتعلم، من كان صادقًا في حرصه على الناس فليتعلم ما ينفعهم ويبرع فيه، الناس ينفعها العدل، والتعلم، والعلاج، وفي المجال المعنوي فالناس ينفعها الكلم الطيب، والرحمة والتعاطف.
لا تجد في نفسك هذا الهمّ مثلي؟ هنيئًا لك، أنت صادق مع نفسك غالبًا، اهتم بنفسك جيدًا، وتعلم أيضًا لأن العالم اليوم لا يطعم سوى النافعين، وهذا أفضل بكثير من العالم القديم الذي كان يطعم ذوي القوة والنفوذ، ويسحق الضعفاء بلا اكتراث، وإن كنت شغوفًا بشيء يريده الناس فستأكل منه حتمًا، وستكون سعيدًا في أثناء عملك أيضًا، وتصير بذلك من المحظوظين، وربما يأتي وقت وتطعم فيه الدولة -لكفاءتها- الجميع بلا استثناء، فساعتها ننفق أنا وأنت يا صديقي أوقاتنا في التأمل في مراوح السقف بلا انقطاع، ودون الحاجة لعمل من أي نوع، لكن الوصول لهذه المرحلة يتطلب الكثير من العمل الآن، لا تنسَ هذا.
أما ما أراه وأنا أكتب هذه السطور، هو أنه لا أحد في الحقيقة صادق في همه، ولا تتوقع من بشر أن يصدق في حب غيره، ويكاد المرءُ يفني عمره بحثًا عن شريك واحد يحبه، ويظل يستثمر السنوات كي يبقى هذا الحب، فكيف بآلاف مؤلفة يدعون دومًا حب الناس والخوف عليهم، كذبوا والله يا عزيزي ولو صدقت نواياهم، ولا تمر الأيام إلا وتغلبهم، كأي مسكين لا يستبصر داخله، ولا يدرك جيدًا دوافعه، فينتهي به الحال مكشوفًا أو مجنونًا، أو مستفيقًا بعد رحلة مريرة من خداع الذات.