في مثل هذا الوقت من العام المنصرم، كانت السماء ذات السماء والغيم ذات الغيم وذات المقعد والطاولة وأيضًا كنت أرتدي ذات الملابس، ولكنني لم أعد كما كنت، ولا زخّات المطر التي تنهمر على زجاج النافذة، أذكر في العام الماضي كتبت على ضباب النافذة كلمة استخلصتها من عام 2020 وأردتها أن تكون قانوني لعام 2021 كتبت "كن" والآن أقف على النافذة ذاتها مستقبلًا عام 2022 لأكمل جملتي "كن أنت".

-تقول العرب: "أسمع جعجعةً ولا أرَ طحنًا" دلالةً على عدم توافق أقوال الناس مع أفعالهم، وهذا ينطبق على مشكلة كنت أحسبها مرضًا نادرًا حتى وجدت الجميع يُعاني منها على درجات مختلفة؛ وهي "أزمة عدم الالتزام بالخطط"،

لسنوات وسنوات كنت أضع خطةً بدايةَ كلّ عام، وحين أبلغ نهايته أجدني اتّخذت منحنًا آخرًا عما كنتُ مخططًا لفعله، في البداية كنت أحسبه تكاسلًا أما الآن وأنا أطالع خططي في السنوات الفائتة والطرق التي اتخذتها بدلًا عنها، أجدُ أنّ 80% مما خططت له لم يكن ما أريد حقيقةً، ربّما كانت نزوات أحلاميّة، أفكارًا هُلامية أو شعرتُ بالدفء أكثر من اللازم فأطلقتُ العنان لهمّتي.

الآن أقف وفي يديَ ورقة سأكتب عليها خُطّتي، أنظر إليّ وما أنا عليه حقيقةً، أتقبّله كما هو وأضع أهدافًا تحمل شكلي، أهدافًا على أربعة أصعدة (الروح، العائلة، العمل، الشخصي)،

فحياة المرء ميزانٌ متى اتّزنت علاقته بخالقه وعلاقته بالآخرين وعلاقته بنفسه، اتزنت حياته.

تعلمتُ في هذا العامِ أن أكون أنا حتّى فيما أخطط له مستقبلاً، ليس أصعب على الإنسان أن يبلغ سنَّ الستين وينظر إلى حياته هباءً منثورًا.

- الجميعُ يرغب بالحصول على عمل، لكن بعد فترةٍ وجيزةٍ تجد الجميع ذاتهم يكرهون عملهم ويرغبون في تغييره، ويخبرونك بهذا كلَّ يوم وإن كنتَ قد التقيتَ بي قبل عامٍ ربّما أخبرتك بذلك أيضًا.

أسبابُ ذلك كثيرةً إما أنَّ جهودنا لا تُقدَّر، وإمّا أن طموحنا في الوظيفة خالف واقعها، وإمّا أن الدخل القادم منها لا يناسب ما نبذله لأجلها، وإما وإما ...

خلال قراءتي لكتاب "Die Empty" تحدّث الكاتب عن العمل وبذل الجهد، وخالفَ فكرة أن تنظر لنفسك بالوظيفة بوصفكَ عبدًا لغيرك فقط، بل اسعَ وقدّم وأثبت نفسك، كُن مقاتلًا لأجل العمل فقط فليس أفضل من أن يعمل الإنسان.

في هذا العام اكتسبتُ شجاعة تقديم الاستقالة والبدء من جديد، كان الأمر صعبًا أن تخرجَ دون إعدادٍ أو ضمان لوظيفة أخرى، لكنني أردتُ أن أكون في مكانٍ مختلف، وأنظر إلى العمل من منظور هذا الكاتب، كلُّ شيء يختلف حينما تعمل لأجل العمل وتعطي دائمًا أفضل ما لديك.

- غريبٌ كيف يمكن لعامٍ واحدٍ فقط أن يُغيّر من ذوقك في القراءة، كلّ عامٍ أدخل إليه أحمل على كتفيَّ قائمة الكتب التي أودّ قراءتها، وفي كلّ عامٍ تتحول هذه القائمة من العام الشامل إلى المخصص المحدد، قبل سنوات كنتُ أقرأ كلّ ما هبّ ودبّ من الكتب، وأجدني في العامين الماضيين محددًا أكثر فيما أودّ قراءته، وهذا العام أدخله بقائمةٍ محددةٍ جدًّا وكلُّ كتابٍ منها يحمل طابعًا عمليًّا قادرًا على تحسين هذا الكيان ودفعه إلى الأمام في حياته.

إنَّ كتب التنمية الذاتية قد تكون قادرة على منحك شعورًا جيّدًا، لكنَّ الكتب التي تمنحك خطّةً على أرض الواقع دون بهرجةٍ وتعلّمك شيئًا، هي وحدها القادرة على تغييرك.

قل لي ما تقرأ وسأقل لك ما ستكون.

-أريد أن أخبرك شيئًا، لا تحتاج أن تحرز معدلًا مرتفعًا في الثانوية لتدرس ما تحبّ، وليس عليك أن تبرر بقاءك في مكانك دون تطوّر بالظروف التي حكمتك، رُبّما لم تملك المال الكافي ليعلّمك أحدهم لغة برمجة، أو رُبّما لم تجد من يعلمك عزف السكسافون، لذلك تنحّيت عن حلمك في تعلمه، كلّ هذا أصبح من الماضي.

ما دمتَ تملك اشتراكًا بالإنترنت تستطيعُ الدخول الآن وتعلّمَ شيءٍ جديد. كلُّ شيءٍ متاح ويكاد يكون مجانيًّا، فقط يحتاج همةً ورغبةً حقيقيةً وستتعلم ما ترغب به.

- اقترب أريد أن أخبرك شيئًا بصوتٍ منخفض: ابحث عن فتاةٍ واعية وأحبّها، نعم كما أقول لك.

قد تعجبك إحدى الجميلات أو الكاتبات أو المثقفات، لكن حتمًا لن تجعلك إنسانًا أفضل سوى الفتاة الواعية.

وحين تجدها، أحبّها بصدق وستمنحك جَنانها على قدر سعيك لتكون نسخةً أفضل منك.

في العام القادم ستجلس كما تجلس الآن تراجع ذكرياتك وتخططُ لعامك القادم، رغم أن تاريخ 31/12 لا يختلفُ عن تاريخ 1/1 أو عن تاريخ 23/6 مثلًا، كلّها أيامٌ ونحن نمنحها ميّزتها.

وهذا ليس بالأمر السيّئ، بل يعطينا مهلةً للتوقف والتفكر، ونقطةً لنهاية، ونقطةً أخرى لبداية جديدة.

رُبّما سنتوقف في الأعوام القادمة عن تمييز هذا التاريخ، وتصبح كلُّ السنوات بذات المذاق، ورُبّما نخسرُ رغبتنا في التخطيط أو البدء من جديد، لكن لن يتوقَّف أحدُنا في ليلةِ رأس السنة عن سؤال نفسه "هل كنتُ أنا؟!"

استعدادًا لهذا السؤال، حاوِل أن تكون نسخةً أفضل منك في كلِّ عام.

لا أعلم ماذا سأخطُّ على ضباب النافذة العام القادم، ولا أعرف أين سأكون أو هل سيكون هناك ضبابٌ حتى! لكنَّ ما أعلمه عين اليقين أنني سأسعى هذا العام لأن أكون "أنا" أكثر من كلِّ عام.