النص حياتنا، جمعنا هذا الإيمان بالفضاء المتحرر من الزمان والمكان...

 ما هو الحضور؟ تتجلين هنا الآن رغم كل الحواجز والمسافات، أراك، أحياك بل أني أتماهى معك فنلتقي ويذوب الجسد في الجسد، تلتقي الروح بالروح، ونشتهي: تغمضين عينيك، أضمك إلي وينعدم الكون...

 لا شيء هنا غيرنا أنا وأنت...

ﻳﺤﻠﻮ ﻟﻲ ﺃﻥ ﺃﺻﻐﻲ ﺍﻟﻰ ﺍﻟﺘﻔﺎﺻﻴﻞ ﺍﻟﺒﻌﻴﺪﺓ ﻓﻴﻚ، أن ﺃﻟﻌﺐ ﺩﻭﺭ ﻗﺎﺋﺪ ﺍﻷﻭﺭﻛﺴﺘﺮﺍ: ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻤﺠﺎﻧﻴﻦ، ﻓﻬﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﺠﻌﻠﻲ ﻗﻠﺒﻲ ﻟﻚ ﺩﻭﻥ ﺳﻮﺍﻙ؟
تمتم مستحضرا الليل على وجنتيه "هو ذاك الألق الذي يدفع الكاتب لمحاولة فهم الحياة والموت، البدايات والنهايات، الولادة والرحيل..."
ذاك الألق من حضورك، أنتظر أن تتجردي من كل شيء وتلتحفيني، أنتظر السفر دون حد وأعتذر إلى ما لانهاية حتى إذا تجليت هنا، كما أحياك، وجودا ووطنا وعودة الخصب إلى أرض أحرقها البركان وانبثاق الزهرة بين حطام مدينة أفنتها الحرب...

شيء مما يختلج في جوهري وتفاصيلي: مقدس...

سألتني ذات مرة "ألا تتوقف عن فعل ذلك بدون إعتبار لأي شيء؟"
أجبتها حينها أن العراك كما اللعب، كلاهما طريق إلى الغياب، ضحكت كثيرا ونظرت في تساءل رغم أنها فهمت ما قصدت...
-هو الغياب في قواميسنا، وفي ذاكرة آخرين هو تجلي الحب، هو الإجتماع إذن للشرق والغرب، للنقيض والنقيض...
-وفي زمن السلام؟
-سلامنا لا يدوم، علينا أن نشبهه بوقف إطلاق نار بلا ضمانات من الجانبين... رغم ذلك، في أوقات الهدنة صلاة أحب أن تغمضي عينيك فيها حين أحتضنك كطفلة...

وكانت تلك الهدنة قصيرة للغاية...

ابتسمت، ربما علي أن أتدارك، أشرقت في تلك اللحظات، كنا في ما بين الراحة والتعب، بين إتحادنا وبين الغربة التي تنذرنا بها الأشياء، واخترنا التماهي وطرد الخارج عنا متيقنين من رحابة عوالمنا أمام ضيق العالم الخارجي: هناك لا شيء غير الموت، هناك حتى الحياة ماتت، ربما بعثت ميتة من البداية...
وأسائل الحس في ما بين الخيال والهوة السحيقة: وتتحرك الذكرى منفصلة عن الذاكرة التعبة لتتجدد وتتمخض الروح في الجسد، ممارسة لحب الحضور وشغف الانتظار الطويل.


ولا أحب الوصول اليك...
ولا أحب أن أفقدني فيك...


وها أنا عاريا من كل شيء أنتظرك، إلا من حضورك في أحمر من دم وخمر ودمع، من أهازيج وفوضى وحلم... وأشتهيك: حد السماء وأنت سمائي وأرضي وبعثي الأول والأزلي، وتحللي الأخير على رصيف الذاكرة. وها أنا أعتذر لأني لم أذهب بعيدا في نار خجلك، ﻷني لم أتعمد بعد في حلمك الشبق ولم أتعبد بعد في طقوس وجودك... وها أنا، أسئلني فيك: متى ضاعت صور الميلاد من ذاكرتي بين جفنيك؟ وكيف نسيت طعم طفولتي في عينيك؟ عانقي الوجود في جوهري وتفاصيلي إذ عانقت الموت فيك بعثا في تلك اللحظة، هو بعثنا في تلك النار، تعريت من أثوابهم البالية علي أتجزأ في الوجود، فيك... علي أبعث ماء أو نارا أو- وعدا باللقاء المكتمل على أرض الجليد، حيث ننتهي...
و في البداية، هذه التراتيل بات من العبثي أن يكون توقيعي عليها إذ لطالما ولدت من رحمك، ماء....