منذ حوالى 150 عاماً كانت – و لا تزال – كرة القدم هى أكثر الألعاب الرياضية الجماعية انتشاراً على مستوى العالم ، و منذ أن تم اعتماد أول لائحة لتنظيم اللعبة و حتى الآن و كرة القدم هى كرة القدم ، أحد عشر لاعب فى مواجهة أحد عشر لاعب ، يمارسون كافة فنون اللعبة من الجرى و الاقتناص و الهجوم و الدفاع و المراوغة و التمرير و التصويب ، بهدف إحراز أكبر قدر من الأهداف فى مرمى الفريق المنافس ، ظلت كل عناصر اللعبة على حالها إلا عنصر واحد فقط ، ألا و هو : الجماهير .

مما نذكر من كلام آبائنا و أهلينا من مشجعى الكرة المخضرمين ، أن مقاعد المشجعين فى ملاعب الكرة – أو كما يطلق عليها المدرجات – لم تكن مقسمة كما هو الحال فى أيامنا هذه ، كانت عبارة عن مصاطب أسمنتية يجلس عليها الجميع جنباً إلى جنب ، تذهب الأسرة أو المجموعة سوياً إلى الإستاد فيجلس الجميع فى نفس المكان لا فرق بين أهلاوى و زملكاوى ، مشجع الهلال يجلس إلى جوار مشجع النصر ، عاشق اتحاد العاصمة كتفه فى كتف عاشق شبيبة القبائل ، يذهب الجميع فى حب و ود واحترام و يعودون بنفس الحب و الود و الاحترام ، فما الذى تغير ؟ .

حدث أن تكونت روابط المشجعين "الألتراس" و تسابق الكل – إلا من رحم ربى – على تأليف و ترديد الصيحات و الهتافات العدائية ، و مع تعدد وسائل الإعلام المقروء منها و المرئى ازدادت الفرقة ، و مع انتشار وسائل "التواصل" الاجتماعى زادت حالة "التنافر" و الاستقطاب و العدائية بين مشجعى الفرق المتنافسة ، و زاد التلاسن و التراشق بالألفاظ و السباب ، و تطور إلى تشابك و تناحر و اعتداء على الأرواح قبل الممتلكات ، الأمر الذى كنا نستغرب من حدوثه فى ملاعب أوروبا و أمريكا اللاتينية ، أصبحنا نعيشه هفى بلداننا العربية هذه الأيام ، و كأن لسان حالنا يقول : " لن نأخذ من الغرب إلا عيوبه " .

المحزن فى الأمر أن ذلك التعصب – المذموم – انعكس على كافة أشكال حياتنا ، فترى ذلك قد تعصب لحزب فلا يرى إلا برأيه ، و ترى ذاك قد انحاز لمذهب فأغلق عينيه و صم أذنيه عما سواه ، و ترى ثالث أحب لاعباً أو ممثلاُ أو مطرباً فلا يقبل أى انتقاد له حتى و إن كان صاحب النقد موضوعياً ، فهل هذا يعقل ، و هل نحن قد فقدنا انتماءاتنا الأصلية فأصبحنا نبحث عن أى انتماء ننتميه حتى و لو كان لحذاء كرة قدم ؟

جميلة هى كرة القدم حين تكون بأقدامنا ، خبيثة هى إذا ما انتقلت إلى قلوبنا وعقولنا ، جميلة إذا ما كانت رياضة وترفيه ولهو مباح ، خبيثة إذا ما تحولت إلى حرب وصراع وتنابز بالألقاب ، كم أعشق كرة القدم حين نلعب بها و كم أبغضها حين تلعب هى بنا .