من التاريخ نستقى الدروس والعبر ، ومن قصص النضال نستلهم الطريق إلى الحرية ، لا لنحذو حذوهم ونفعل ما فعلوه ، بل لنعرف – أولاً - الأسس التى بنى عليها الأولون مجدهم ، فما قيمة الماضى إن لم يكن منصة الانطلاق نحو المستقبل ، وخلال السطور القادمة سنتعرف على أهم النقاط المشتركة فى قصص المناضلين الثلاثة "جيفارا – غاندى – عمر المختار" والذين تكلمنا عنهم بشئ من الإيجاز فى اللقاءات السابقة .


المقاومة فكر قبل الحراك

قد ينجح أى حراك لأى مجتمع - وإن كان جاهلاً - فى تحقيق بعض الأهداف على المدى القصير ، قد نستطيع جمع مجموعة من الرجال الأشداء فنحطم بهم جبلاً أو نحرق بهم مدينة ، ولكن هل نفس المجموعة ستنجح فى إنجاز أهداف تنموية على مدى طويل نسبياً ، هل يستطيعون تشييد بناء منظم على أسس صحيحة ؟ بالطبع لا .

قد يظن البعض أنه يكفى أن يكون القائد واعياً فيتبعه العامة فينجح الجميع ، إلا أن التجربة اثبتت أن وعى المجتمع و الأتباع بطبيعة المرحلة والتحديات على درجة كبيرة من الأهمية ، ذلك الوعى الذى يضمن الثبات ، وعدم الانحراف عن الفكرة ، ويا حبذا لو كان الوعى مبنياً على عقيدة سليمة ، هذا بالضبط ما أسس له "جيفارا" فى معسكرات "كاسترو" حين وجد الكل يهتم بالسلاح على حساب الفكر ، وهو أيضاً ما حرص "غاندى" و "المختار" على غرسه فى صفوف رفاقهم ، لأن المجتمع الجاهل – وإن توفرت له أسباب القوة – قد يكون أعظم خطراً على الحركة من الأعداء أنفسهم .


المقاومة لا تحتاج لأبطال أسطوريين

ليس بالضرورة أن يقود الجموع من يتمتع بالخبرة العسكرية أو العقلية الملمة بفنون الحرب والخداع والسلاح ، كما أنه ليس بالضرورة أن يكون نبياً يأتيه خبر السماء أو شخصية عبقرية ساحرة ممن أنعم الله عليم ببسطة فى العلم والجسم ، بل من الممكن أن يكون إنساناً عادياً جداً ، يشبهنا ونشبهه ، يتكلم بلساننا ويعيش على أرضنا ، قد يكون أنا أو أنت ، وقد رأينا بأعيننا كيف بدت حياة أصحابنا الثلاث عادية رتيبة إلى درجة الملل فى أولها ، أناس عاديون ولدوا لأسر عادية جداً لم يكن لها تجارب فى الحروب والعمل المسلح ، إلاأان ثلاثتهم آمنوا بفكرة محددة وتشبعوا بها ، تلك الفكرة هى التى رفعت من شأن قدراتهم الروحية والذهنية والجسدية ، فآمن بهم الكثيرون ، وسار على نهجهم العديد حتى بعد مماتهم ، فالمقاومة إذاً لا تحتاج قائداً أسطورياً مثل "هرقل" كما نرى فى الأفلام ، ولكنها تحتاج إلى رجل عادى مؤمن بفكرة ويضحى من أجلها .


القوة زائلة والفكرة باقية

فى كل تجارب الاحتلال فى العالم كان المحتل قوياً فى العدد والعتاد ، وحاول بكافة أساليب القمع والبطش أن يجتث المقاومة من جذورها إلا أنه لابد وأن يفشل فى النهاية ، يقولون أن "البقاء للأقوى" وقد تبدو هذه المقولة صحيحة فى بداية كل قصة ، ولكن النهايات دائماً ما تكون فى صف الحق والعدل والحرية ومن طالب بهم و ضحى فى سبيل ذلك بكل نفيس ، كما أنه مما لا شك فيه أن الفكر لا يحارب إلا بالفكر لا بالقمع والبطش والإرهاب ، فلن تستطيع مهما بلغت قوتك أن تفرض دينك أو مذهبك أو رأيك على من يخالفك ، قد يظهر لك – مضطراً – أنه يوافقك الرأى و يؤيدك ، ولكنه لن يتبعك و يخوض معك المعارك والشدائد إلا إذا أقنعته بفكرك ، فإن آمن بك ملكت قلبه وعقله وإن كفر بك لن تستطيع قوتك – أبداً – أن تقتل فكرته .


الجهاد فكرة حصرية

و اسمح لى فى هذه النقطة أن أكون عنصرياً بعض الشئ ، فلعل كونى مسلم عربى هو السبب الوحيد فى تمييز "الجهاد" عن غيره من أشكال النضال والكفاح والتحرر وكل المسميات التى قد تجد لها مرادفاً فى كل لغات الأرض إلا "الجهاد" فهو مصطلح عربى إسلامى – حصرى - خالص ، قد أتفهم أن تكون هندياً هندوسياً وتتبع "غاندى" طلباً لاستقلال الهند عن بريطانيا ، وقد أتفهم كونك أمريكى لاتيني مسيحي تعشق "جيفارا" وتحارب فى صفوفه ضد بطش الولايات المتحدة وأعوانها ، لكنك كيف ستترجم لغير المسلمين والعرب فكرة ان تتبع "عمر المختار" وتبايعه على الموت ؟ فكرة أن تترك أهلك ومالك وكل ما تحب لا للتنكيل بالعدو فحسب ولا لنيل استقلال بلدك فحسب ، بل إن هدفك الأساسى هو أن تلقى ربك شهيداً فيغفر لك ما تقدم ، تلك النقطة التى حار فى تفسيرها كل أعداء الإسلام والتى لخصها العبقرى "خالد بن الوليد" فى خطابه إلى ملك الفرس حين قال له " فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة "


وفى النهاية

بعضنا قد يجد التاريخ مملاً ، والبعض الآخر يجد فى التاريخ ملاذاً ومهرباً من الإغراق فى آلام الواقع ، بعضنا قد يجد فى قراءة سير العظماء دافعاً ومحفزاً ، والبعض الآخر يصل به الأمر إلى اليأس وكأن لسان حاله يقول : "وكيف لى أكون مثل محمد الفاتح ؟ وأنى لنا بقائد فى حجم صلاح الدين ؟ فقد انتهى عصر المعجزات والأساطير " من خلال أربع حلقات أحببت أن ألقى الضوء على ثلاثة من أعظم رموز المقاومة فى العصر الحديث لنقول فى الختام أن التاريخ ليس مادة للقراءة ومصمصة الشفاه وحسب ، بل إن التاريخ أعظم مدرسة للتعامل مع الحاضر و الاستعداد للمستقبل ، و أن التاريخ ليس حكراً على أحد ، أوليس من الممكن أن نكون أنا وأنت من صناع التاريخ ؟ من يدرى ؟ .


كانت هذه هى الحلقة الرابعة والأخيرة

واقرأ فى نفس السلسلة :

جيفارا

غاندى

عمر المختار