بالرغم من اختلاف عقائدهم - جيفارا المسيحي و غاندي الهندوسي و عمر المختار المسلم - و نشأة الثلاثة فى ثلاث قارات مختلفة - أمريكا الجنوبية و آسيا و أفريقيا - إلا أن الثلاثة كانت بينهم نقاط متشابهة وصلت إلى حد التطابق فى بعض الأحيان ، هذه النقاط هى التى تجعلنا نقف أمام ثلاثة نماذج ألهمت العديد من الشعوب لسنوات و سنوات :


1- المرجعية الدينية و الوطنية : فكل من الثلاثة تشبع فى بداية حياته بالتربية الوطنية و القيمية ، مما ساعد فى تكوين رصيد روحى و ثقافى زاد من سبل إقناعه ، و جعل جهاده و نضاله مستنداً الى قيم روحية و وطنية .

2- قيادة حركات التحرر و الاستقلال : فبالرغم من عدم انتماء أى منهم فى بداية حياته لجيش وطنى أو حزب سياسى ، إلا أن ذلك لم يقف حائلاً بينهم و بين قيادة حركات التحرر و طرد الاستعمار .

3- الاحتكاك بمجتمعات و ثقافات مختلفة : فكل منهم عاش فترة من حياته فى وطن مختلف و تأثر به و أثر فيه ، و شارك بمنتهى الإيجابية فى القضايا التى تهمه كما سنرى فى الصفحات المقبلة .

4- الشعبية الطاغية و النهاية الدامية : كما هو شأن المناضلين فى كل بلدان العالم ، نجد أن الثلاثة حظوا بشعبية جارفة تجاوزت حدود الزمان و المكان ، فكل منهم له أنصاره و أتباعه حتى الآن و خارج النطاق الجغرافى الذى عاش فيه ، و كل منهم عاش حياة مليئة بالأحداث و لقى نهاية دامية على يد أعدائه .

ولكى نعرف – تحديداً – القاسم المشترك بين الثلاثة لابد وأن نتعرض لبعض لقطات من حياتهم .


جيفارا


النشأة و دورها فى تكوين شخصيته

ولد أرنستو جيفارا في الرابع عشر من أغسطس عام 1928 بمدينة "بوينس أيريس" عاصمة الأرجنتين في عائلة عريقة ، درس الطب فى جامعة بوينيس أيريس و تخرج عام 1953، وبسبب إصابته بالربو لم يلتحق بالتجنيد العسكرى ، وفى عام 1955 قابل "هيلدا" المناضلة اليسارية من "بيرون" فى منفاها فى جواتيمالا، فتزوجها وأنجب منها طفلته الأولى ، و كانت هيلدا السبب الذى جعله يقرأ للمرة الأولى فى الماركسية .

سافر للمكسيك وهناك التقى براؤول كاسترو المنفى مع أصدقائه يجهزون للثورة و ينتظرون خروج فيديل كاسترو من سجنه في كوبا ، ما إن خرج فيديل كاسترو من سجنه و تم نفيه إلى المكسيك حتى قرر غيفارا الإنضمام للثورة الكوبية فقد نظر إليه فيديل كاسترو كطبيب هم فى أمس الحاجة إليه .


جيفارا و الثورة الكوبية

فى 1959 اندلعت الشرارة و برز جيفارا كقائد و مقاتل شرس جداً لا يهاب الموت و سريع البديهة يحسن التصرف فى الأزمات ، لم يعد جيفارا إذاّ كسابق الأمر مجرد طبيب بل أصبح قائداً برتبة عقيد و شريكاً لفيديل كاسترو فى قيادة الثورة ، اهتم كاسترو بالشق الستراتيجى و العسكرى فى حين ركز جيفارا على ضبط فكر ومسار الثورة على الخط الماركسى ، وبعد نجاح الثورة واستقرارها تقلد عدة مناصب مكنته من التصدى بكل قوة لتدخلات الولايات المتحدة ؛ فقرر تأميم جميع مصالح الدولة بالاتفاق مع كاسترو؛ فشددت الولايات المتحدة الحصار، وهو ما جعل كوبا تتجه تدريجياً نحو الاتحاد السوفيتى كحليف منافس ، كما أعلن عن مساندته حركات التحرير فى تشيلى وفيتنام والجزائر .


الكونغو وبوليفيا

بعد استتباب الأمر أرسل جيفارا لكاسترو رسالة عام 1965 تخلى فيها نهائياً عن مسؤلياته في قيادة الحزب ، وعن منصبه كوزير ، وعن رتبته كقائد ، وعن وضعه كمواطن كوبي ، و حاول استئناف انضال مجدداً فذهب إلى الكونغو

مساندً لثورات التحرر، إلا أن التجربة لم تنجح كسابقتها لأسباب عديدة أولها اختلاف اللغة والمناخ بالإضافة إلى عدم تعاون رؤوس الثورة الأفارقة ، فاختار أن يرحل إلى "بوليفيا" لتنظيم صفوف الحركات التحررية في أمريكا اللاتينية لمجابهة النزعة الأمريكية المستغلة لثروات دول القارة ، وما لبث أن وجد نفسه وحيداً يواجه الجيش المدجج بالسلاح بقيادة المخابرات الأمريكية فى بوليفيا الاستوائية ، أراد جيفارا أن يمضي بعض الوقت في ترتيب البيت من الداخل و حشد القوى والعمل على تجنيد الفلاحين والهنود من حوله ، ولكنه أجبر على خوض المعارك رغماً عنه .


اغتياله

كنهاية طبيعية فى مثل هذه الظروف ألقي القبض على اثنين من مراسلي الثوار، فاعترفوا تحت وطأة التعذيب أن جيفارا هو قائد الثوار، فبدأت حينها القوات كلها التركيز على مطاردة لشخص واحد ، و في يوم 8 أكتوبر 1967 في أحد وديان بوليفيا الضيقة هاجمت قوات الجيش البوليفي المكونة من 1500 فرد مجموعة جيفارا المكونة من 16 فردا ، ظل جيفارا ورفاقه يقاتلون 6 ساعات كاملة حتى تم قتل المجموعة بكاملها و أسر القائد جيفارا حيا ، ثم نُقل إلى قرية "لاهيجيراس" ، وبقي حيا لمدة 24 ساعة ، رافضاً أن يتبادل كلمة واحدة مع من أسروه ، وفي مدرسة القرية نفذ ضابط الصف "ماريو تيران" التعليمات الصادرة إليه و أطلق النار على جيفارا فأرداه قتيلاً .


جيفارا مصدر الإلهام

كان جيفارا وارتباطه المميز بالفقراء والمهمشين في كل مكان، ورفضه الاعتراف بالحدود القومية في الحرب ضد الوجود الاستعمارى مصدر إلهام للعديد من الحركات الراديكالية الجديدة في العالم كله ، اهتم جيفارا بتأسيس الفكرة قبل التحرك و الاشتباك مع الظلم بكل أنماطه بكل الوسائل ، أعلى من شأن المثل و القيم و قدمها على الممارسة العملية ، أخذ اسم جيفارا و فكرته تجوب الأرض بحثاً عن الحرية من كوبا إلى الكونغو ثم إلى بوليفيا ، ، ولم ينس أن يمر بمصر والجزائر في طريقه ليلتقى الزعيم المصري جمال عبد الناصر والرئيس الجزائري أحمد بن بلة اللذان كانا من أهم رموز الثورة العربية وقتها ، كان جيفارا يأمل أن يعيش طويلاً فيساند كل شعوب الأرض حتى تنال استقلالها ، ولكن القدر لم يمهله ، فرحل جسد جيفارا وبقيت فكرته وكلماته تلهم الثائرين وتحفز الباحثين عن الحرية .


انتهى الجزء الأول و إلى لقاء

واقرأ فى نفس السلسلة :

غاندى

عمر المختار