قد تختار المواجهة المسلحة ، فتجد الرد عنيفاً ، وقد تختار المقاومة السلمية ، فلا تجد الرد أقل عنفاً ! هذا ما حدث مع رائد مدرسة اللاعنف "غاندى" ، هيا بنا نكمل ما بدأناه فى المقال سابق لنبحث عن أوجه الشبه والخلاف فى رحلة أبطالنا الثلاثة "جيفارا-غاندى- عمر المختار"


النشأة و دورها فى تكوين شخصيته

ولد غاندي في الثاني من أكتوبر1869 بمقاطعة غوجارات الهندية فى عائلة هندية محافظة لها باع في العمل السياسي ، و عاش طفولة عادية للغاية حتى تزوج في الثالثة عشرة من عمره طبقاً للتقاليد الهندية آنذاك ، سافر إلى بريطانيا عام 1882 لدراسة القانون ، حاول فى البداية التأقلم مع الحياة الإنجليزية إلا أنه سرعان ما أدرك أنه لا سبيل أمامه سوى العمل الجاد ، فترك حياة اللهو و عاد سريعاً إلى تدينه والتزامه وسعيه إلى الحقيقة والأخلاق ، فأخذ يتعلم القانون ، ويحاول تطبيق ما فهمه بطريقة تناسب العقلية الهندية فيحدث التوازن بين العقل والدين ، وبعد أن انهى دراسته الجامعية عام 1891 عاد مرة أخرى إلى وطنه ، وهناك اكتشف أن المحاماة ليست الطريق المفروشة بالورود ، لذلك لم يتردد فى قبول اوظيفة التى عرضتها عليه إحدى الشركات الهندية بجنوب إفريقيا .


جنوب أفريقيا

سافر غاندي وعائلته إلى جنوب إفريقيا عام 1893 ، ومارس شغفه بالدفاع عن حقوق العاملين في مزارع القصب ضد السلطة البيضاء في جنوب إفريقيا ، وقام بتنظيم "المؤتمر الهندي" و أسس صحيفة "الرأي الهندي" التي صدرت بالإنجليزية والهندية ، وعمل على إقامة مستعمرة "فينيكس" الزراعية قرب "داربان" في العام 1904 .

بدأ غاندى مدرسة فريدة من النضال السلمى حين وجد نفسه هو و جماعته فى مواجهة هراوات النظام ، فدعا إلى تحمل الآلام والمواجهة بلا عنف ، واستجاب له الألوف مضحين بالعمل والحرية فتعرضوا للتجويع والسجن والجلد و الرصاص ، حتى رأت السلطات أن تلين ، فعرضت التسوية على غاندي فوافق عليها ، وغادر بعدها جنوب إفريقيا متوجهاً إلى الهند في يوليو 1914 ، بعدما ضمن للهنود في جنوب إفريقيا كرامتهم و حقوقهم .


إلى الهند مرة أخرى

عاد إلى الهند عام 1915 وخلال سنوات قليلة أصبح الزعيم الأوحد حيث ركز على النضال ضد الظلم الاجتماعي من جهة و الاستعمار الأجنبى من جهة أخرى ، تعاون فى بادئ الأمر مع بريطانيا في الحرب العالمية الأولى ضد دول المحور باعتبار الهند تخضع لحكم بريطانيا ، ثم ما لبث أن انتقل للمعارضة المباشرة للسياسة البريطانية بين عامي 1918 و1922 مطالباً بحق الهند فى الاستقلال ، وفي عام 1922 قاد حركة عصيان مدني صعدت شكل المواجهات بين الجماهير وقوات الأمن والشرطة البريطانية فاضطر إلى إيقاف هذه الحركة ، ومع ذلك حكم عليه بالسجن ست سنوات ثم تم الإفراج عنه فى 1924 .


عودة إلى السياسة

فى الثلاثينيات حاول غاندي الانخراط فى العمل العام و التفرغ للمشكلات التي كان يعاني منها الريف الهندي بالإضافة إلى دعمه لحزب المؤتمر فى انتخابات 1937 إلا أن الأمر لم يدم طويلاص فعاد فى 1940 إلى حملات العصيان مرة أخرى فأطلق حملة جديدة بسبب إعلان بريطانيا الهند دولة محاربة لجيوش المحور قبل أن تنال استقلالها ، واستمر هذا العصيان حتى عام 1941 ، الأمر الذى اضطر بريطانيا إلى المصالحة مع الحركة الاستقلالية الهندية التى قبلها غاندي في عام 1943 ، و تبنى فكرة دخول الهند في الحرب على أمل نيل استقلالها بعد ذلك ، إلا أن خطابه لم يعجب الإنجليز فقاموا بحملة اعتقالات موسعة ومارسوا كل ألوان التعذيب ضد غاندى وأتباعه حيث ظل معتقلا خلف قضبان السجن ولم يفرج عنه إلا في عام 1944 .


تقسيم الهند واغتيال غاندى

بانتهاء عام 1944 وبداية عام 1945 اقتربت الهند من تحقيق حلم الاستقلال وتزايدت المخاوف من الدعوات الانفصالية الهادفة إلى تقسيمها إلى دولتين بين المسلمين والهندوس، وحاول غاندي إقناع محمد علي جناح الذي كان على رأس الداعين إلى هذا الانفصال بالعدول عن توجهاته لكنه فشل ، فتم التقسيم فى أغسطس 1947، فاندلعت الاضطرابات الدينية عموم الهند فسقط الآلاف في "كلكتا" وحدها ، الأمر الذى تألم له غاندي كثيراً حيث اعتبر هذه الأحداث كارثة أفظع من الاحتلال وأخذ يدعو إلى إعادة الوحدة الوطنية بين الهنود والمسلمين طالبا بشكل خاص من الأكثرية الهندوسية احترام حقوق الأقلية المسلمة ، وبالطبع لم تجد دعوات غاندي صدى عند الهندوس بل واعتبرها بعضهم خيانة عظمى فقرروا التخلص منه ، وبالفعل في 30 يناير1948 أطلق أحد الهندوس المتعصبين ثلاث رصاصات قاتلة سقط على أثرها غاندي صريعاً وهو فى التاسعة والسبعين من عمره .


غاندى المناضل والمفكر

يعتبر غاندى أحد اهم مؤسسى مدرسة المقاومة السلمية أو فلسفة اللاعنف ، التى تقوم على أسس دينية وسياسية واقتصادية تهدف إلى إلحاق الضرر والهزيمة بالمحتل عن طريق الوعي الكامل بخطورة الأوضاع وتكوين القوة القادرة على مواجهة هذا الخطر باللاعنف أولاً ، ثم بالعنف إذا لم يوجد خيار آخر .

كان لغاندى رصيد واسع من الثقافة ساعده فى تكوين الرؤية والمدرسة الخاصة به ، حيث قرأ للشعراء الهندوس والفلاسفة الإنجليز و الأدباء الروس و الأمريكان كما قرأ فى الإنجيل والإسلام ، وكان من أشهر أقواله ما قاله عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : " أردت أن أعرف صفات الرجل الذي يملك بدون نزاع قلوب ملايين البشر ، لقد أصبحت مقتنعاً كل الإقتناع أن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها إكتسب الإسلام مكانته ، بل كان ذلك من خلال بساطة الرسول مع دقته وصدقه في الوعود ، وتفانيه وإخلاصه لأصدقائه وأتباعه ، وشجاعته مع ثقته المطلقة في ربه وفي رسالته ، هذه الصفات هي التي مهدت الطريق ، وتخطت المصاعب وليس السيف ، و بعد انتهائي من قراءة هذا الجزء من حياة الرسول محمد أجد نفسي بحاجة أكثر إلى التعرف على حياته العظيمة " .


رحل غاندى وبقيت مدرسة اللاعنف تعزز من صمود المقاومين السلميين ، ولتؤكد أن القوة مهما سادت فهى زائلة أمام صمود الشعوب بشرط وجود الوعى الكافى لتحمل المخاطر والاستعداد للمواجهة .


انتهى الجزء الثانى وإلى لقاء

اقرأ فى نفس السلسلة :

جيفارا

عمر المختار