يا ليتنى ... كلب بلدى !

و ما العجب فى ذلك ؟ و ما سر الدهشة التى لا زال تأثيرها جلياً على ملامحك منذ أن قرأت عنوان مقالتى ؟ نعم ، يا ليتنى كنت كلباً بلدياً ، هائماً على وجهى فى الطرقات ، كل البلاد بلادى ، كل الصحارى بالنسبة لى ملاعب ، و كل الوديان مراعى ، على أى جنب أنام ، بأقل الطعام أرضى ، بشربة ماء أروى عطشى ، و ماذا فى ذلك ؟ .

لا يوجد عندى تفاصيل تتعبنى ولا مشاكل تغلبنى ، فأنا لست فى حاجة إلى مدارسكم و تعليمكم ، لن أكون مضطراً لخوض منافسات و حروب الثانوية العامة و ما قبلها و ما بعدها ، لن يشقى أهلى فى الإنفاق على تعليمى و دروسى الخصوصية ، فأنا لست فى حاجة إلى كل ذلك .

لا فرق عندى بين سمراء و شقراء ، ففى موسم التزاوج كل الإناث ملكى ، لا يمنعنى شرع ولا شريعة من نيل ما اشتهى منهن وقتما و كيفما و أينما شئت ، ليس ذلك فحسب ، بل و لن تناقشنى إحداهن لتعرف درجتى العلمية أو خبرتى العملية ، و لن تسألنى عن رصيدى فى البنك و مساحة شقتى ، فكما أرغبها سترغبنى و سيستمتع كلانا بالآخر بلا حدود بلا قيود .

حرية بلا قيود و إشباع بلا حدود ، جميلة هى حياة هذا الكلب البلدى ، منتهى البساطة منتهى اللذة ، لا مساحة فى قلبه الصغير لغل أو حقد أو حسد أو كراهية ، ولا مكان فى عقله البسيط لأى انتماء عقدى أو حزبى أو عصبى أو رياضى ، يفعل ما يحلو له بالكم و الكيفية التى تشبعه وفقاً لما هو متاح له .

أعلم أن اندهاشك بدأ فى الانسحاب و حل محله الاتفاق و لو فى بعض النقاط ، فمن منا – إلا من رحم ربى – لم تحدثه نفسه يوماً و تحرضه على كسر القيود و الأغلال التى تمنعنا من المضى فى طريق تلبية شهواتنا و رغباتنا دون الحاجة إلى التفكير فى ما هو حرام يخالف الشرع أو خطأ يعارض القانون ؟ ألست معى فى أنه لا شئ أعظم ولا أحلى من الحرية المطلقة أو كما يطلق عليها أهلوها " البوهيمية " ؟ بلا تشريعات بلا قوانين بلا أعراف بلا مبادئ .

أو تعلم أن يوم القيامة هناك من سيتمنى أن يكون مثل هذا الكلب ؟ فى آخر آية من سورة النبأ أخبرنا الله عز و جل عن حال نوع من الناس فقال " وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا " حيث يتمنى الكافر ذلك حين يرى البهائم و الحيوانات قد تحولت إلى تراب فيتمنى و لو أنه كان مثلها و عاش حياتها ثم أصبح تراباً بدلاً من أن يلقى مصير الكافرين فى جهنم ، هذه هى حسابات الكافر آنذاك ، فماذا عن حسابات المؤمن ؟ .

المؤمن بعيد النظر استراتيجى التفكير ، لا تبهره حرية مؤقتة ولا متعة زائلة ، و إنما ينظر لما هو أبعد ، خلود بلا موت ، إشباع بلا انقطاع ، فما قيمة ستين أو تسعين سنة من الحرية الزائفة و الانغماس فى الشهوات و اللذائذ إذا ما قورنت بالحياة الأبدية فى جنات النعيم ؟ و من أجل ذلك يحترم المؤمن هذه القواعد و يخضع – بحب – لهذه القيود التى وضعها الخالق لينظم هذه الحياة و يبعدنا عن الهمجية و الفوضوية .

جميلة هى الحرية ، الحرية التى تحافظ على حقوق الآخرين و رغباتهم مثلما تحفظ لك حقوقك و رغباتك ، قد يكون لها ثمن ندفعه من خلال عدد من المسئوليات و الواجبات ، و لكن المقابل سيكون بلا شك و لا أروع ، حرية خالصة لا مثيل لها ، حرية نستحقها أنا و أنت و سائر بنى البشر .