يصل الإنسان عندما يرى الموت من منظور آخر يستطيع من خلاله أن يتجاوز به ضلالات نفسه التي تُنازع للخلود، توهمه أن الموتَ يمرُ بالآخرين فقط. إنَّ إدراك حقيقة الموت والتعايش معها وإنتظارها قد يمنحنا نوعاً من النقاء كي لا نتورط بالحقد والكراهية، صحيح أننا لا نعرف متى تُطرق أبوابنا ورغم ذلك لا ننتظر كما ينبغي، ولا نتهيّأ لاستقبالِه كما يجب، إلا أننا دائما نتمنّى لو أنه يزورُنا بشكل لائق.

ولعل الدُنيا على إختلافها تُشبه قِطارًا، نصعد فيه وحدين أو برفقة، نجلس بجانب من لا نعرفهم، نُحدثهم دون أن نسألهم حتى عن أسماءهم، ويتوقف القطار فينقطع الحديث ويستأذن الرفاق، ويصعد آخرون ويسألوننا إذا ما كان المكان شاغرًا، وتعيد الأسطوانة نفسها، يتوقف القطار، تصعد ثُلة وتنزل ثُلة، يلتقون على الأبواب، يُفسح الصاعدون مجالًا للنازلين.

ولكن ماذا لو كان المُغادر هذه المرة أنا أو أنت؟ سيتوقف القطار وسنُدرِك ونحن نُغادره أننا لم نعد نشبهُ ما كنا عليه في بداية الرحلة، لم نلاحظ أننا كنا نقتربُ من البابِ شيئًا فشيئًا، ورغم جلوسنا قرب النافذة، لكن إن سُئلنا عن الطريق فلن نتذكره. قد نترك على مقاعدنا معطفًا أو أشياء كانت تعني لنا الكثير ثم نرحل.

صدق جبران عندما قال:

"ما زلتُ أؤمنُ أنّ الإنسان لا يموتُ دفعةً واحدة وإنّما يموتُ بطريقة الأجزاء

كلّما رحل صديقٌ مات جزء وكلّما غادَرَنا حبيبٌ مات جزء

وكلّما قُتِل حلم من أحلامنا مات جزء

فيأتي الموت الأكبر ليجدَ كلّ الأجزاء ميتة فيحملها ويرحل"

ولكن كيف سنتقبل حقيقة أننا سنرحل ونحنُ دائمًا ما نرفضُ فكرة أن رحيل أحبتنا كان حقيقة ! لازلنا نظن أنه سيأتي يوم الذي يفتحون فيه الباب ويتركونَ لنا رسالة، أو ربما يخرجُون من غُرَفِنا المُعتمة دونَهم. لازلنا نستخفُّ بالكلمات، نبخلُ بالبَوح، نؤجّلُ اعترافاتِنا، لازلنا نتذمر من معاركنا الكثيرة فتجدُنا نتمنى الموت على أنْ نصارعها ونغلبَها، لازلنا نؤجل عهودنا مع الله، نخبرهُ بأنّنا سنتوبُ غدًا، ظنًا منا أنّه مازال في العمر بقية، وأنَّ الموتَ بعيدٌ منّا، أقرب إلى غيرنا. ولعل ما جعلنا نتغافل عن هذه الحقيقة؛ هو أنّنا لم نجربْ بعد، معنى أنْ نُترك في حفرة، نحنُ الذينَ كنا نهاب الأمكنة الضيقة، نوضَعُ اليوم في حفرةٍ بلا نوافذ، نحاول أن نُنادي فلا نبتلع سوى التراب فنختنق، لم يبقى معنا سِوى أعمالنا، ومبادئنا التي التزمنا بها وتلكَ التي انحرفنا عنها، وحفنة من دعوات مَن أحبونا بصدق، وكَدَمات تركها غيابُ مَن عَبرونا يومًا، وبقية من أعمال استهنا بها.

لكن ربما الجزء الأفضل في إدراك تلك الحقيقة هو أن كل كراهية تزول إذا علمت أنك مُغادر يصبحُ كل شيءٍ بلا أهمية، يتحولُ سخطكَ على شخصٍ ما إلى حبٍ وشفقة إذا علمت أنه أيضًا سيغادر. حينها انظروا ماذا سيبقى لنا في الدُنيا، لا شيء سوى الذِكرى التي تركناها، كركاب القطار عرف أن وجوده مؤقت وفراقه حتمي وكل ما تركه معطفٌ ومقعدٌ دافئ لآخرين يأتون من بعده.

{إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}