بائع الزهور

خرجت هائمة على وجهها لا تدرى أى طريق تسلك أو فى أى اتجاه تسير، فقد كانت الأجواء حولها هادئة على الرغم أنه لم يؤذن لصلاة العشاء بعد، الحناتير أقفلت أبوابها وليس هناك سوى القليل من المشاة، ربما بسبب برودة الطقس مكث الجميع فى الداخل ، قامعين أمام المدفأة أو مختبئين تحت الفراش ، فقد كان البرد قارس ، أما هى فما بها جعلها لا تهتم لبردوة الشتاء، خرجت من بيتها حزينة لا ترغب إلا فى السير، تريد أن لا يكون لسيرها نهاية تبتعد أكثر وأكثر، ظلت هكذا حتى ابتعدت عن منطقة بيتها.

أثناء سيرها شعرت بيد تجذبها بقوة وتقول لها: على مهلك ابنتى كادت السيارة أن تصيبك، فإستيقظت من غفلتها على صوت ذلك الرجل المسن وجدت نفسها ترد فى عفوية "ليتها أصابتنى وانتهى الامر" فقال لها الرجل: معاذ الله وأثناء الحديث، برقت السماء وأمطرت ،ومع نزول قطرات المطر تساقط دمعها.

فقال لها الرجل: لعلك متعبة ولن تستطيع السير فى هذا المطر اجلسى فى محلى حتى ينتهى المطر وبعدها تذهبين

شعرت الفتاة بالراحة من حديث ذاك الرجل فجلست فى محله فقد كان محل زهور،جلسا الإثنان أمام المحل والمطر يتساقط من حولهما وبعض المارة يلجئون إلى ظل شجرة أو أى شئ ليحتموا من المطر والبعض الأخر إستسلم لتلك القطرات غير عابئا بشئ.

أعد لها كوب شاى وقدمه لها.

ــ ابنتى مازلت صغيرة جدا على هذا الهم ، لا ادرى ما بكى ولكن عليك أن لا تيأسى فما زال العمر أمامك وسوف تواجهين أكثر من ذلك ، خذى النصيحة من رجل عجوز لو كان استسلم لأحزانه لكان فى عداد الموتى أو كان قعيد الفراش يعانى من الأمراض المزمنة، لقد علمتنى الحياة أن لا أستسلم أبدا وأن يظل لدى أمل دائما ما دمت أتنفس ، ثم أخذ نفس بعمق ليستشعر بعدها أنه ما زال حيا .

كنت فى الماضى أمتلك مصنع كبير ولدى ثروة تغنينى عن الجلوس فى ذلك المحل وبيع الزهور، قالت له الفتاة متعجبا

ــ ولماذا أنت هنا إذن .

ــ لدى أربعة أبناء وإبنة واحدة، ربيتهم على افضل ما يكون وكونت ثروتى تلك بمال حلال كنت اتقى الله فى كل مليم أكسبه ، حتى فتح الله على ورزقنى من أوسع أبوابه ، فقررت يوما أن أبنى دار للأيتام وأنفق عليها، فوجدت اعتراض شديد من أبنائى ، ظنوا أننى سأضيع أموالى فى الأعمال الخيرية، رفعوا على قضية حجر ليأخذوا جميع الأموال ،عندما بلغنى الأمر حزنت جدا ،لأن  الثروة قد سحرتهم وجعلتهم يغفلون عن برى وعن فعل الخير، ساءت العلاقات بيننا ولم يعد أحد مهنم يزورنى أو يسألون عنى؛ فقط ابنتى وزوجها هم من يسألون عنى باستمرار، لم يكسبوا القضية، لكننى تركت لهم الثروة قسمتها بينهم بما يرضى ربى واكتفيت بفتح هذا المحل والعيش فيه ؛ وعلى الرغم من ذلك لم يفكروا مرة واحدة أن يأتوا إلى ويعتذرون عما بدر منهم .

ــ ربما يخشون من ردة فعلك

ــ لو اعتذروا لى فى الهاتف، لانشرح صدرى وذهب همى وحزنى ، لست حزين إلا لفراقهم أم سوء معاملتهم فأنا مسامحهم فهم أبنائى مهما حدث ودائما أدعو لهم بالخير، مر أكثر من عامين لم أراهم فيه ولم أسمع صوتهم ولكنى مازلت على أمل أن يأتى أحدهم لى فى أحد الأيام يسأل على لأحتضنه وأمسكه من أذنه وأقول له:  لا تفعلها مرة ثانية كما كنت أفعلها معهم دائما فى صغرهم ، وامتزجت دمعة على خده مع ابتسامة على وجهه.

ــ يا ابنتى؛ الخير موجود فى نفوسنا جميعا وعندما يشاء الله للمرء بالهداية يظهر هذا الخير، وأنا على أمل بأن يهدى الله أبنائى ويعودن لى يوما ما، فلم أدخل فى جوفهم إلا حلالا، وبدون الأمل لن أستطيع أن أعيش فى ذلك العالم ،وعليك أيضا ابنتى أن تتحلين به وليس لأمر ما تظلين حزينة وتفكرين فيه، فلم يخلق الله قلوبنا للحزن بل خلقها للحب حب الله اولا وبعدها حب كل حب يقربك منه ، اسعى دائما لتنال حبه فإذا ما رزقت حبه سيهون كل شئ وستعيشن جنة الأرض .

ــ أسعدنى كلامك جدا، حاولت أن اطبقه لكن الحزن مسيطر على فأنام واستيقظ فيه حتى يكاد يخنقنى

ــ الفراغ بنيتى، لو أن لديك هدف تسعين إليه لما شغلك هذا الأمر ليل نهار ولتعايشت مع أى ظروف كانت، فقط لتصلى إلى هدفك ولوصدقت الله فى الطلب  لسخر الله لك الكون بأسره لتصلى إلى هذا الهدف ، و للأسف أغلب الشباب اليوم إلا من رحم ربى لا هدف لهم ، فتجد الكثير منهم حزنين يائسين مستسلمين لأى حزن حتى وإن كان بسيط ولكنه ملئ عليهم حياتهم، لآن حياتهم فارغة، لولم يكن لدى عمل أحبه،لظللت أفكر فيما حدث لى ولسار هذا الأمر يشغل كل حياتى .

ــ صدقت؛ ليس لدى هدف أسعى إليه ، لكن أخبرنى لماذا فضلت محل الزهور؟

ـ أحببت بيع الزهور لأنها تدخل السرورعلى قلب الجميع ، فأحب أن ارى الجميع وهم سعداء وأحيانا أعطى بعض المارة ورودا لأرى ابتسامتهم وسعادتهم،فابتسمت الفتاة

ـ لديك ابتسامة رائعة لا تخفيها ابدا دائما ابتسمى لحياتك وابحثى على هدف يوصلك إلى رضا خالقك لا تياس ابنتى ابدا .

قام الرجل وأحضر مجموعة من الزهور الجميلة ونسقها فى مظهر جميل وأعطها للفتاة وقال لها: خذى تلك الزهور مقابل ابتسامتك تلك وانظرى لزهور كما أنها جميلة تسعد من يراها وتبعث فى نفسه الأمل فدائما كونى مثلها ابنتى ، أخذت الفتاة الزهور وشكرته وقالت: له لقد أثر حديثك معى والأن علمت ماذا على أن أفعل؟ ،ها قد انتهى المطر أستطيع الآن  أن أذهب و واسمح لى أن أزورك فى محلك دائما.

ـ سأكون سعيدا بزيارتك، عادت الفتاة إلى منزلها مسرورة سعيدة، ربما استجيبت دعوتها أثناء المطر فسبحان مبدل الأحوال من حال إلى حال .

#قصة_قصيرة

#منى_مهير