وأنها لسنة عجيبة، حدث بها ما لم يخطر على بال أحد، توقفت أعمارنا عند الشهر الثاني منها، وها قد مر تسعة أشهر ولم يأتي الشهر الثالث من هذه السنة الغريبة؛ ويا ويحنا أن كان الذي حدث وما سيحدث - كون أنها لم تنتهي بعد هذه السنة - نقطة من بحر السنين القادمة ...
وأنها لسنة - وأقول سنة وليس عام؛ فالعام كله خير؛ وما رأيناه قط؛ لم نرى إلا سنة عجفا؛ وأخشى أن تلحقها ستة سنوات عجاف ..
شباب بعمر الورد قُتلوا، فتيات تضحك الشمس لثغرهن أيضًا أُستبيحت دماؤهن، حالات قتل أنتشهرت كالنار في الهشيم؛ جعلتني أستحضر ما قاله الرسول محمد صل الله عليه وسلم: سيأتي زمن يكثر فيه الهرج؛ فقالوا ما الهرج ؟ قال: القتل بينكم ..وهذا ما حدث يا رسول الله ..حكام قتلوا رعيتهم، أبناء قتلوا أباءهم، خاطب قتل مخطوبته، زوج قتل زوجته، والقتل هين مقارنة بما حدث من جرائم تجرد الانسان من انسانيته، قطعوا أيادي واستلذوا بمتعة سيل الدماء، حرقوا أجساد حية، وفقؤوا عيون تسبح للذي خلقها، وما أقول ليس إلا سطر من معجم ..

ممدوح عدوان يقول " هناك مقولة تكرر الأيام إثبات صحتها، وهي أن مجتمعات القمع، القامعة والمقموعة، تولد في نفس كل فرد من أفرادها ديكتاتوراً، ومن ثم فإن كل فرد فيها، ومهما شكا من الاضطهاد، يكون مهيأ سلفاً لأن يمارس هذا القمع ذاته الذي يشكو منه، وربما ما هو أقسى وأكثر عنفاً، على كل من يقع تحت سطوته، فالمثل المحتذى متوفر أمامه كل يوم في من يضطهدونه، وهو شاء أم أبي يرى فيهم ما يمكنه أن يقلده"
قال فأصاب وهذا ما رأيناه في هذه السنة الحمقاء.
وكل المصائب تهون، إلا المصاب بالدين، لكنها أبت هذه السنة أن تفارقنا دون ذلك، شتموا الحبيب، وقالوا فيه ما ليس فيه، عليك السلام يا رسول الله، بأبي وأمي يا رسول الله ..

اقول ما قالت به السمراء بنت قيس - رضي الله عنها - عندما أخبروها بعد غزوة بدر ان زوجها وابيها واخوها قد قتلوا ؛ فقالت :" وماذا فعل رسول الله صل الله عليه وسلم ؟ قالوا :" خيرًا يا أم فلان، هو بحمدالله كما تحبين"
فقالت جملتها العظيمة " كل مصيبة بعدك جلل " اي صغيرة فلم تكترث لامر زوجها ولا أبيها ولا أخيها وأنما لأمر الحبيب ..
وأقول ما خسرناه في هذه السنة وما سنخسره لو كانوا أخوتنا وعائلاتنا واموالنا وأنفسنا، أنها مصائب ولا ننكر ذلك ولكنها بعد رسول الله والله أنها جلل .