بقلم: مـــنى لــــفـــرم

المجتمعات العربية تضج بالسخافات وتقوم على المظاهر، أمر معروف. لم يعد أحد يهتم بالعلم ولا الأدب ولا الثقافة ولا القراءة...ولم يعد أحد يبالي للخبر الصحيح، الكل يصدق الثراهات والثرثرات على المواقع...لقد انقلبت الموازين، أضحى الجميل قبيحا والقبيح جميلا، والعمق سطحي والسطح عميقا. الكل يتحدث في كل شيء وفي لا شيء، الكل مفت وطبيب ومحاسب ومحام وقاض...الخ. أين الأساس في كل هذا؟ بأي حق يتحدث هؤلاء وعلى أي أساس؟ هل لديهم خلفية علمية وثقافية يبنون عليها آراءهم أو يتوفرون على خبرات أو مهارات اكتسبوها، ليوزعوا النصائح على هذا وذاك حتى ولو لم يطلب منهم؟ أو ليدّعوا الألوهية في هذا الميدان أو ذاك؟

فِكْرُ " أنا ربكم الأعلى" المستشري في الأوساط المهنية هو ذلك الكابوس المخيف الذي يسيطر على البعض ويأثر بشكل سلبي على من حولهم... من يعملون بهذا الفكر في الإدارة أو المقاولات الخاصة أو لحسابهم الشخصي هم كثر، يعتقدون أن شهاداتهم ومناصبهم ومعارفهم ومراكزهم تخولهم القدرة المطلقة...مخطئون...مخطئ من يثق في نفسه زيادة عن اللزوم وينسى بأن في الدنيا لا شيء يدوم على حاله.

في مجتمعاتنا، يتجه الأشخاص للعمل الحكومي بحثا عن الاستقرار المهني والمادي ناسين أومتناسين أن الهدف من الالتحاق بصفوف موظفي الدولة هو قبل كل شيء خدمة الوطن وليس المصلحة الشخصية... في الولايات المتحدة مثلا يسمون الموظف «Public servant» أي شخص يعمل لخدمة البلاد والعباد، وفي كندا ليس للموظفين أي ضمانات بالبقاء في مناصبهم مدى الحياة بمقتضى قانون، فقط كفاءتهم تحدد استمرارهم أم لا... ليس هناك منصب ولا راتب مضمون لمجرد أنك تمكنت من الولوج عبر مباراة أو مقابلة عمل، يجب أن تكون دائم التجدد.

لا شك أنكم سمعتم بالقرار الجديد الذي اتخذه الرئيس ترامب في هذا الصدد: بروتوكول التوظيف الحكومي الذي يفضل المهارات على الشهادات. الأمر التنفيذي (الذي يوجه تعليمات لفروع الحكومة الفدرالية) يقضي بالتركيز على المهارات بدلا من الشهادات الجامعية في اختيار الموظفين الفدراليين. لكنه لا يعني الإلغاء التام لشروط الحصول على الوظيفة بل يشجع على إعطاء الأولوية للمهارات مما يجعل الدرجة العلمية أقل أهمية[1].


لدي ثلاث قراءات في الأمر:

· الأولى أنه في جميع الأحوال يبقى التعليم أمرا ضروريا، لكن الشهادة في حد ذاتها ليست غاية بل وسيلة في سبيل تحقيق الذات ومنفعة الناس والوطن والنهوض بالمجتمع. شريطة أن يكون الشخص قد تعلم لأجل التعلم وليس فقط لنيل ورقة تمكنه من الانعتاق من براثن البطالة.

· الثانية أن الشهادة مهما كانت عالية فلا تعني الكفاءة ولا تعني أن الشخص فعلا مناسب لمنصب أو لآخر.

· الثالثة أن هناك بعض المهن لا تحتاج لشهادات بل لمهارات فقط.

المهم أن ترامب حسم الأمر في أمريكا مع أنه سيكون من الصعب تطبيق القرار بحذافيره على المدى القصير أو المتوسط، سيحتاج لوقت لأن الجامعات الكبرى هناك تشكل لوبيات لا يستهان بها.

وبالأخير، الشهادة والمهارة أمران متكاملان. وإن أضفنا الإخلاص والإتقان في العمل كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك هو المبتغى. كما أن هناك صفات يجب أن تتوفر خاصة في الموظفين الحكوميين لا تُدَرَّس في أي جامعة: المهنية والتعايش والثقة في الآخر وترك المشاعر السلبية والمنافسة غير العادلة والانتهازية...لكن شتان بين الواقع والحلم.