الكلمات المباشرة، العبارات المباشرة، الأفكار المباشرة، المشاعر المباشرة، الرغبات المباشرة... تلك الأشياء البسيطة التي لا تحتاج منا لتفسير، تلك الأشياء الواضحة التي لا تحتاج لتأويل، تلك الأشياء التي تُفهم من بساطتها.. تلك الأشياء التي لا جدوى من أن نبحث عن ما تحمله بين سطورها.. قليلون منا من لهم القدرة على أن يكونوا مباشرين دونما حاجة للتلاعب بالكلمات، للتلاعب بالأفعال أو للتلاعب بالأحاسيس.. قليلون من يملكون القدرة على قول "وداعا" بدل "سأغيب لفترة".. قليلون من يجيدون قول " ما عدت أحبك" بدل "أحتاج فترة للتفكير في علاقتنا"..

حاولت كثيرا أن أكون مباشرا.. أن أكون إنسانا لا يحتاج لتفسير، أن أُفهم على بساطتي، عل سجيتي، على طبيعتي.. فشلت.. أختفي دون أن أقول وداعا ولا أتعلل بالغياب لفترة.. أختفي هكذا دون مقدمات.. قد أعود أو قد لا أعود.. أحيانا أعود متأخرا فأُطرد بطريقة فضة.. أستحق ذلك..

ثم عدت.. وربما عادت.. لا يهم.. المهم أننا عدنا.. أننا نجالس بعضنا في زاوية مختلفة هذه المرة.. اخترنا مكانا مختلفا لعله يمنحنا ما افتقدناه على مدى سنوات مضت.. أربع.. ثلاث.. لا أدري..

- مازلت تحبني..؟

- أجل أيتها الغبية..

- أنت الوحيد الذي أحببتني كما أنا.. لم تطلب مني أن أتغير من أجلك..

- لأنني الغبي الوحيد بين من أحبوك..

- هههه ربما..

- لنجرب من جديد..؟

- تروقني علاقتنا كما هي الآن.. لا اسم.. لا التزام..

- أحتاج من يشتاق لي.. أحتاج أن أمشي رفقتك في الشارع فيعرف الجميع أننا لبعض دون أن نفعل ما يوحي بذلك..

- أمنياتك جميلة لكنها صعبة..

- وما الصعب فيها يا هاجر..

- تائهة أنا، غير متزنة.. نحن مختلفان وإن كنت تشبهني جدا..

- نحاول.. نقاوم..

- ستَضجرني مرة أخرى..

- لا أعتقد ذلك.. لا أعتقد أنك ستجدين وقتا لإزعاجي كل يوم بغرف الدردشة، ولا وقتا لطرح تلك الأسئلة البليدة من قبيل: "أين كنت..؟ رفقة من كنت..؟..."

- هههه وما أدراك..؟

- لا أعتقد أنك تغيرت لهذه الدرجة..

- صدقني، صرت غيورة ومزعجة وأنانية...

- أراك السبت زوالا..

- وإن أمطرت..؟

- لا أجيد حمل المظلة..

- لا بأس سأتكفل بأحمر شفاهي وكحل عيني..

لم تمطر.. وإن أمطرت، فحتى المطر لم تكن له القدرة على بعثرة أحمر شفاهها وكحل عينيها.. وكأن أشعة أحدثت بجسدها صيفا غير معلن للآخرين.. اكتفت بما يشبهني لونا.. مجرد صدفة أن نرتدي الأخضر نفسه..

كعادتها تضع نظارتها الطبية فوق رأسها، تقول أنها ترتديها فقط داخل مدرج الجامعة ومختبر البحث.. تبدو أجمل دونها.. اخترنا هذه المرة أن نمشي فالجو كان أجمل من أن نقاومه، أشعة الشمس الخفيفة كانت أجمل من أن نختفي بين جدران مقهى أو غرفة حتى.. نمشي بخطوات متباطئة، ننثر كلاما على مهل.. وككل مرة، تتسابق النظرات لتتزاحم عند تفاصيل جسدها، لا أحد ينتبه لي وكأني مجرد سراب، وكأني لا أتواجد رفقتها.. حتى النساء كن ينظرن إليها مطولا..

- ما شأن الجميع ينظر إلي بغرابة هذا اليوم؟

- عيناك السبب.. وربما أحمر شفاهك أيضا..

كان كحل عينيها يمتد ليمنحها شكلا أقرب لعين نمر.. هكذا تخيلته لحظة قابلتها أول مرة..

- ما بها عيني..؟

- ”مجبدة”..

تضحك بأنفة.. وبمرح طفولي.. أشعة الشمس الهادئة منحتنا زمنا كافيا لنتعب.. لحظتها وجدنا أنفسنا على قرب من مقهى عبرت منها ذات بحث عن الأنجلوساكسون وما كتبوه عنا.. مقهى بنيدروم ..Benidrom مازالت كما هي بكراسيها وجدرانها وطلابها.. الأمر السيئ الوحيد أن مقهى بينيدورم توجد في مدينة لا تشبه قط مدينة بينيدورم هناك ببلاد الأجداد..

- ما حاجتك لهذه الأدوية..؟

هذا ما وجدتني أسألها وهي تخرج علبة أدوية صغيرة من حقيبتها اليدوية..

- ألم أخبرك..؟

- قطعا لم تفعلي..

- أُدخلت للمستشفى قبل يومين جراء حساسية شديدة.. بقع حمراء كثيرة تناسلت على أطراف جسدي.. كان الأمر مخيفا بحق..

- ماذا قال الطبيب..؟

- تحاليل

- انتبهي لنفسك هاجر..

ملامح النادل المتجهم، تلك القهوة السيئة الطعم التي وضعها أمامي، وإبريق الشاي ذاك الذي ينقصه السكر والذي من المفروض أن يكون منسما بالأعشاب.. تفاصيل صغيرة جعلتني أدرك أن المكان ما عاد نفسه.. تفاصيل صغيرة مشابهة جعلتني أدرك أيضا أن الجالسة على يميني، الملامسة ركبتي لخصرها.. هي ليست نفس تلك الأنثى التي قذفت الكتاب بوجهي على مرأى من كل الحاضرين بساحة بوجلود ذات أربعاء ممطر.. هي ليست نفسها هاجر التي كانت علاقتي بها حربا، ليست نفسها التي كانت تغير الزقاق كلما لمحتني قادما من بعيد، ليست نفسها..

- بعد كل تلك الحرب ها نحن معا..

- حب فحرب فحب..؟

- ربما.. وربما حب فحرب فعادي..

- ما ينقصني يا هاجر..؟

- وما أدراك أني أحب الرجال.. هههه؟

- رعشة جسدك الصغير قبل سنوات ست.. هناك في غفلة من صديقتك تلك.. حبيبتي تلك..

- لننتظر.. ربما يتغير الحال..

- قد تكونين لي..؟

- لنغادر..

الخامسة مساء.. بدأت الشمس تغادرنا.. بدا الجو أقل دفئا.. تلك الكنزة الصيفية ما عادت قادرة على حماية جسد هاجر الصغير، فكرت في أن أضمها لكني لم أعتد أن أفعل ذلك وسط شوارع هذه المدينة، وجدت في الأمر حرجا لا يناسب شخصي.. لم أفكر في ردة فعلها هي، كانت سترفض حتما وإن كانت نظرة الناس آخر ما يشغلها.. خطونا بنفس البطء.. أوصلتها للمحطة.. أمسكت يديها مودعا..

- سأشتاقك..

- وأنا أيضا..

لماذا لم أخبرها أن في حياتي أخرى.. لماذا لم أخبرها أن هناك من أخذت مكانها.. سأخبرها في موعدنا اللاحق.. بعد عام..