ﻻ ﺭﻳﺐ أﻧﻨﺎ ﻧﻌﻴﺶ ﻓﻲ ﻋﺼﺮٍ ﻣُﺤﻴَﺖ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﺤﻮﺍﺟﺰ ﺍﻟﺰﻣﺎﻧﻴَّﺔ ﻭﺍﻟﻤﻜﺎﻧﻴَّﺔ; ﺑﻠﻤﺢ ﺍﻟﺒﺼﺮ ﺗﻄﻴﺮُ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺸَّﺮﻕِ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻐﺮﺏِ، ﻭﺑﺴﺮﻋﺔ ﺍﻟﺒﺮﻕ ﺗﻨﻄﻠﻖُ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭُ ﻟﺘﺠﻮﺏَ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﻛﻞ ﺻﺎﺣﺐ ﺩﻋﻮﻯ ﺃﻭ ﻣُﻌﺘﻘﺪ ﺑﺈﻣﻜﺎﻧﻪ ﻧﺸﺮ ﺩﻋﻮﺗِﻪ ﻭﻣﻌﺘﻘﺪِﻩ ﺑﺴﻬﻮﻟﺔ ﻭﻳُﺴﺮ، ﻛﻤﺎ ﺃﻧﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺼﻌﻴﺪ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﻭﺍﻟﻤﻌﺮﻓﻲ ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ ﺑﻜﻞ ﺳﻬﻮﻟﺔ ﻭﺻﻒ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﺑﺄﻧﻪ ﻋﺼﺮ ﺍﻻﻧﻔﺠﺎﺭ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﻲ، ﻧﺘﻴﺠﺔ ﻟﻠﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﺒﺎﻫﺮ ﻓﻲ ﻣﺴﺘﻮﻳﺎﺕ ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ، ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ ﺇﻟﻰ ﺳﻬﻮﻟﺔ ﻭﺳﺮﻋﺔ ﺍﻧﺘﺸﺎﺭ ﻛﻞ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻌﺎﺭﻑ ﻭﺍﻟﻌﻠﻮﻡ، ﻭﻛﻞ ﻫﺬﺍ ﺣﺘﻤﺎًَ ﻻ ﺑﺄﺱ ﺑﻪ، ﻟﻜﻦ ﻳﻈﻞ ﻫﻨﺎﻙ ﺣﺪﺍً ﺁﺧﺮ -ﺃﻛﺜﺮ ﺣﺪَّﺓ- ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﺴﻼﺡ.

ﺍﻟﺼﻮﺍﺏ ﻭﺍﻟﺨﻄﺄ

ﻣﻌﺮﻓﺔ ﻣﺎﻫﻴَّﺔ ﻣِﻌﻴﺎﺭﻳَّﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﻲﺀ ﺑﺼﻮﺍﺑﻪ ﺃﻭ ﺑﺨﻄﺌﻪ من جهة أصله، ﺗﻘﺘﻀﻲ ﻣﻨَّﺎ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﺃﻭﻻًَ ﻋﻦ ﻣﺎﻫﻴَّﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺍﻷﺻﻞ، ﻭﺑﺎﺳﺘﻘﺮﺍﺀ ﺑﺴﻴﻂ ﻧﺠﺪ ﺃﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻴﻪ ﺷﻴﺌﺎﻥ:

- ﺍﻟﻨَّﻔﺲ: ﻭﻫﻲ ﻣﻴَّﺎﻟﺔ، ﺃﻣَّﺎﺭﺓ ﺑﺎﻟﺴﻮﺀ ﻓﻲ ﺍﻷﺻﻞ.

- ﺍﻟﻔِﻄﺮَﺓ: ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻄَّﺒﻊ ﺍﻟﺴَّﻮﻱُّ، ﻭﺍﻟﺠِﺒﻠَّﺔ ﺍﻟﻤُﺴﺘﻘﻴﻤﺔُ ﺍﻟﺘﻲ ﺧُﻠِﻖَ ﺍﻟﻨَّﺎﺱُ ﻋﻠﻴﻬﺎ.

ﻭﻧﺠﺪ ﺃﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻳُﺮﺟِّﺢ ﺇﻣَّﺎ ﺍﻟﻨَّﻔﺲ ﻭﺇﻣَّﺎ ﺍﻟﻔِﻄﺮﺓ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻌﻘﻞ، ﻓﺎﻟﻌﻘﻞ ﺇﻥ ﻭﺍﻓﻖ ﺍﻟﻨَّﻔﺲ ﻓﻴﻤﺎ ﺗﻬﻮﺍﻩ ﻣﺎﻟﺖ ﻛﻔﺘﻬﺎ ﻭﺳﺎﺭﺕ ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﺴﻮﺀ، ﻭﺇﻥ ﻭﺍﻓﻖ ﺍﻟﻔِﻄﺮﺓ ﻓﻲ ﻃﺒﻌﻬﺎ ﺍﻟﺴَّﻮﻱ ﺭﺟﺤﺖ ﻛﻔﺘﻬﺎ ﻭﺳﺎﺭﺕ ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻘﻬﺎ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﻴﻢ، ﻳﻘﻮﻝ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﻋﺒﺪﺍﻟﻌﺰﻳﺰ ﺍﻟﻄَّﺮﻳﻔﻲ -ﺣﻔﻈﻪ ﺍﻟﻠّﻪ: "ﻭﺃﺻﻞ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺇﺫﺍ ﺍﻗﺘﺮﻥ ﺑﺸﻲﺀ ﻣﻦ ﻧﻮﺭ ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ، ﺃﻧﻪ ﻳﺪﻟﻪ -ﺃﻱ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ- ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻭﺍﻟﻨﻮﺭ ﻭﺍﻟﻬﺪﻯ، ﻓﺎﻟﻌﻘﻞ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ ﺗﺄﻛﻴﺪ ﺃﻭ ﺷﻲﺀ ﻳﺆﺍﺯﺭﻩ ﺣﺘﻰ ﺗﻐﻠﺐ ﺑﻪ ﺍﻟﻔﻄﺮﺓ ﺍﻟﻨَّﻔﺲ" ﺍﻫـ.

ﻣﻤﺎ ﺳﺒﻖ ﻳﺘﻀﺢ ﻟﻨﺎ ﺃﻥ ﻣﻌﻴﺎﺭﻳَّﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﻲﺀ ﺑﺼﻮﺍﺑﻪ ﺃﻭ ﺑﺨﻄﺌﻪ ﺗﺮﺗﺒﻂ ﺍﺭﺗﺒﺎﻃﺎً ﻻﺯﻣﺎً ﺑﻌﻘﻠﻪ، ﺇﺫ ﺃﻧﻪ ﺍﻷﺩﺍﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻬﺎ ﺗَﺮﺟُﺢ ﺍﺳﺘﻘﺎﻣﺔ ﺍﻟﻔﻄﺮﺓ ﺃﻭ ﺯﻳﻎ ﺍﻟﻨﻔﺲ، ﻟﻜﻦ -ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺍﻷﺻﻞ- ﻧﺠﺪ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻗﺎﺻﺮ ﻋﻦ ﺇﺩﺭﺍﻙ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺫﺍﺗﻴﺎً، ﻣﺎ ﻟﻢ تعِنه ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﻣﺮﺟﻌﻴَّﺔ ﺧﺎﺭﺟﻴَّﺔ ﺗُﺴﺎﻋﺪﻩ ﻋﻠﻰ ﺇﺩﺭﺍﻙ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﻓﻲ ﺻﻮﺭﺗﻬﺎ ﺍﻷﺻﻠﻴﺔ.

ﺍﻟﻤَﺮﺟﻌﻴَّﺔ

ﻋﺮﻓﻨﺎ ﻣﻤﺎ ﺳﺒﻖ ﺣﺎﺟﺔ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺇﻟﻰ ﻣﺮﺟﻌﻴﺔ ﻹﺩﺭﺍﻙ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ، ﻭﻣﻦ ﺛَﻢَّ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺑﻌﺪﻫﺎ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﻲﺀ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺍﻟﺼﻮﺍﺏ ﺃﻭ ﺍﻟﺨﻄﺄ، ﻭﺑﺎﻟﺘﺄﻛﻴﺪ ﺍﻧﺤﺮﺍﻑ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻋﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺮﺟﻌﻴَّﺔ ﻳُﺆﺩﻱ ﺑﻪ ﺇﻟﻰ ﺣﻜﻢ ﻏﻴﺮ ﺻﺎﺋﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﻲﺀ، ﻭﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ ﺗﻘﺴﻴﻢ ﺍﻟﻤﺮﺟﻌﻴَّﺎﺕ ﺇﻟﻰ ﻧَﻮﻋﻴﻦ:

- ﻣَﺮﺟﻌﻴَّﺔ ﻧِﺴﺒﻴَّﺔ: ﻭﻫﻲ ﻛﻞ ﺍﻟﻤﺮﺟﻌﻴَّﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻢ ﻭﺿﻌﻬﺎ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺒﺸﺮ، ﻭﻫﻲ ﻣﺮﺟﻌﻴَّﺎﺕ ﻏﻴﺮ ﺛﺎﺑﺘﺔ، ﻧﺎﻗﺼﺔ، ﻣﺘﻐﻴﺮﺓ، ﻧﺴﺒﻴَّﺔ ﺗﺘﻐﻴﺮ ﻣﻦ ﻣﻜﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﻣﻜﺎﻥ، ﻭﻣﻦ ﺯﻣﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﺯﻣﺎﻥ، ﻭﻏﺎﻟﺒﺎً ﻻ ﺗُﺴﺎﻋﺪ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺮﺟﻌﻴَّﺎﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ، ﻷﻥ ﻣﺼﺪﺭﻫﺎ ﺍﺑﺘﺪﺍﺀً ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺸﺮ، ﻟﺬﻟﻚ ﻫﻲ ﺩﺍﺋﻤﺎً ﺧﺎﺿﻌﺔ ﺗﺤﺖ ﺳُﻠﻄﺔ ﺍﻷﻫﻮﺍﺀ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳَّﺔ.

- ﻣَﺮﺟﻌﻴَّﺔ ﻣُﻄﻠﻘﺔ: ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻤﺮﺟﻌﻴَّﺔ ﺍﻹﻟـٰﻬﻴَّﺔ، ﻭﻫﻲ ﻣﺮﺟﻌﻴَّﺔ ﻣُﺤﺎﻳﺪﺓ ﻏﻴﺮ ﻣُﺘﻄﺮﻓﺔ، ﻛﺎﻣﻠﺔ، ﻣُﺘﻮﺍﻓﻘﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﻔِﻄﺮﺓ، ﻣﺼﺪﺭﻫﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﺑﺘﺪﺍﺀً ﺍﻟﻌَﺎﻟِﻢ ﺑﻤﺎ ﻳَﺼﻠُﺢ ﻭﻣﺎ ﻻ ﻳَﺼﻠُﺢ، ﻟﺬﻟﻚ ﻫﻲ ﺩﺍﺋﻤﺎً ﻣﺤﻔﻮﻇﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﻒ ﻭﺍﻟﻌﺒﺚ، ﻭﻻ ﺗﺨﻀﻊ ﺗﺤﺖ ﺃﻱ ﺳﻠﻄﺎﺕ ﺃﻭ ﺃﻫﻮﺍﺀ ﺑﺸﺮﻳَّﺔ.ِ

ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻌﺎﻗﻞ ﺃﻥ ﻳستند على مرجعيَّة نسبيَّة ﻓﻲ ﺇﺩﺭﺍﻙ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﻭﺍﻟﺤﻜﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ، إذ أن مصدرها ﺍﺑﺘﺪﺍﺀً ﻣﻦ ﻋﻘﻞ ﺑﺸﺮﻱّ ﺁﺧﺮ، ﻭهذا ﺍﻟﻌﻘﻞ أيضاً ﻗﺎﺻﺮ ﻭﺣﺪﻩ ﻋﻦ ﺇﺩﺭﺍﻙ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺑﺼﻮﺭﺓ ﺻﺤﻴﺤﺔ، ﻓﻜﻴﻒ ﻳﺴﺎﻋﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﺩﺭﺍﻙ ﻣﻦ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻳﺪﺭﻙ ﺑﺬﺍﺗﻪ، ﻫﺬﺍ ﻣَﺤﺾ ﻋﺒﺚ، ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻘﻴﺾ ﻣﻦ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺮﺟﻌﻴﺘﻪ ﻣﺮﺟﻌﻴَّﺔ ﻣُﻄﻠﻘﺔ، ﺍﺳﺘﻄﺎﻉ ﺇﺩﺭﺍﻙ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺑﺼﻮﺭﺓ ﺻﺤﻴﺤﺔ، ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺑﺼﻮﺭﺓ ﺻﺤﻴﺤﺔ ﻻ خلل فيها.

إذا نستطيع القول بأن المرجعيَّة كما أنها تُمثِّل النور الهادي للعقل في حكمه على الأشياء، فإنها أيضاً تُمثل الحصن المنيع له، والمُرشِّح لكل ما يستقبله من معلومات وأفكار، كما أنها تَقِيه من المُسممات الفكرية التي قد تسبب اختلال بوصلته وطريقة حكمه على الأشياء، فيرى الأشياء على غير حقيقتها الأصليَّة.

المَعرِفة والمَرجعيَّة

كما أشرنا سابقاً، فإننا نعيش في زمنٍ انفجرت فيه المعرفة انفجاراً باهراً، واتسعت مساحة انتشار المعلومات حتى بلغت مَشارِق الأرض ومَغارِبها، ورغم أن الأمر قد يبدو للوهلة الأولى أنه شيء حسن، إلا أننا قد نتفق جميعاً على وجوب اتخاذ بعض الإجراءات الاحترازية أمام هذا الاتساع المعرفي، لكن قبل التحدُّث في تلك النقطة، أرغب في سَرد القليلِ من الأمثلة الواقعيَّة التي عاصرتُها بنفسي، فالتجربة خير برهان.

المَوقِف الأول

صديق لي قد شاهد محاضرة لأحد الكُتَّاب على الشبكة لمناقشة كتاب بعنوان "الطواسين" للحلَّاج، وبأحد فصول هذا الكتاب يتخيل الحلَّاج حديثاً بين اللّه -عزّ وجلّ- وبين إبليس، وليس هناك داع لذكر هذا النَّص، لكن هو نصٌ يُفيد التماس العذر لإبليس اللعين، وأن شدَّّة توحيده للّه -عز وجل- هي التي منعته من الامتثال لأمره، وأن تقديسه للّه -عزّ وجلّ- منعه من السجود لغيره، وما وجدت هذا الصديق بعدها إلا وهو معتقد تمام الاعتقاد بهذا القول.

المَوقِف الثاني

صديق آخر كان في فترة ما مهتماً بالسياسة وما يمت لها بصلة، وأخذ في قراءة كتب السياسة والأنظمة السياسة القديمة والمعاصرة وغيرها، ثم تبنَّى الفكر الاشتراكيّ وأخذ يتشدَّق ببعض النظريات الماركسيَّة، ومن حين لآخر قد يطعن في نُظم الخلافة الإسلاميَّة التي بالطبع ستتعارض مع أفكارِه الاشتراكيَّة.

المَوقِف الثالث

وهذا الموقف جليٌّ أمامنا كل يوم، وهي كل تلك الشُبهات والمعلومات الإلحاديَّة التي تطعن في ديننا الحنيف، وقد شهدنا على انجراف البعض نحو تلك الأفكار الإلحاديَّة، والتي إن لم تنتهِ بهم بخروجٍ من الملَّة، فهي بالطبع قد قلصت حجم الإيمان في صدورهم، وزرعت فيها الشك والريبة.

هذا غيضٌ من فيض، والأمثلة كتلك كثيرة لا تُعدُّ ولا تُحصى، لكن المهم هنا أن نعرف ما الخطأ الذي وقع فيه هؤلاء!

تعرَّض كل فرد من هؤلاء إلى مصدرٍ من مصادر المعرفة، أخذ منه معلوماتٍ وأفكارٍ ومعتقدات، لكنهم انطلقوا في طريق أخذ تلك المعلومات والمعارف والأفكار بدون آلية مرجعيَّة، وذلك أدى إلى عدم إدراكهم لحقائق تلك المعارف والأفكار، وبالتالي كان حكمهم عليها حكماً خاطئاًَ، فكان تعاملهم معها تعاملاً خاطئاً، وإذا ما أردنا تصويب تلك المَواقِف الثلاث، فعلينا تطبيق آليَّة مرجعيَّة كالآتي:

1- اختيار مرجعيَّة: من أصول ديننا الإسلامي، الإيمان بأنه شريعة إلهيَّة محفوظة، وأنه منهج رباني كامل متكامل، وأنه صالح لكل فرد في كل زمان وكل مكان، والدلائل العقلية والنقلية تشهد بكل ذلك، ومن الأمثلة الواقعية لاختيار الشريعة الإسلامية كآلية مرجعية; ما نقل عن المُؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه "حضارة العرب" حيث ذكر أن الجنرال الفرنسي نابليون بونابرت عند عودته إلى بلاده فرنسا راجعاً من مِصر سنة 1801م، أخذ معه كتابًا فقهيًا من مذهب الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- اسمه «شرح الدردير على متن خليل»، وهو ما بُني عليه القانون الفرنسي.

2- وَزنُ المعارفِ والأفكارِ على المَرجعيَّة: فعند التَّعرُض لمعلومة أو فكرة جديدة، ينبغي مقارنتها بأصول وفروع الشريعة الإسلامية، ومنها سندرك هل هذه الفكرة من جهة الأصل على صواب أم على خطأ، وبالتالي سنعرف كيفية التعامل الصحيح معها، هل سنقبلها، أم سنقبل جزءاً منها فقط، أم سنردها بالكُليَّة.

3- التَّعمُق في المرجعيَّة: ينبغي من حين لآخر التعمق في بناء تلك المرجعية، وذلك عن طريق التعمق في تَعلُّم علوم الشريعة المختلفة، فكلما زاد رسوخ الفرد في علوم مرجعيته، زاد الحصن قوة، وأصبح أكثر مناعة ضد المسممات الفكرية.

4- تنويع المَرجعيَّات: عند مصادفة بعض المعارف والمعلومات نجد أنها بحاجة إلى أكثر من مرجعية حتى يتم التعامل معها تعاملاً صحيحاً، فينبغي للفرد أن يتسلَّح بأكثر من مرجعية فرعية بجانب مرجعيته الأساسية، فعند مصادفة معلومة في علم الكيمياء، بعد عرضها على المرجعية الأساسية وقبول صوابها من جهة الأصل، يتم عرضها على مرجعية فرعية مختصة بالمعارف الكيميائية، وحينها إما أن يزداد تأكيدنا لها أنها صائبة من جهة أصلها، أو أنها غير ذلك فنردها ولا نتعامل معها.

فإذا ما أردنا تصحيح المَوقِف الأول، سنقوم باختيار الشريعة الإسلامية كمرجعية لنا، ثم نقوم بعرض المعلومات الموجودة بالكتاب على تلك المرجعية، فنجد أنها تتعارض بالكُليَّة مع بعض آيات القرآن الحكيم، فحُكمنا على هذه المعلومات هنا أنها خاطئة من جهة الأصل، لذا سنقوم بردِّها تماماً ولا نتعامل معها.

وإذا ما أردنا تصحيح المَوقِف الثاني، سنقوم بعرض تلك النظريات السياسية على مرجعية الشريعة الإسلامية، فنجد أن بعضها خاطئ من جهة الأصل، فنرده بالكُليَّة ولا نتعامل معه، ونجد أن بعضها صائب من جهة الأصل، فنعرضه على مرجعية فرعية أكثر اختصاصاً بالعلوم السياسية، فإما أن تزيدها تأكيداً فنقبلها ونستطيع التعامل معها بكل سهولة، وإما أن ترفضها فيكون تعاملنا معها حينها تعاملاً مختلفاً، ونُلاحظ هنا أن رفض المرجعية الأساسية لشيء لا يعطينا خياراً سوى رفضه بالكلية، أما رفض المرجعية الفرعية فيسمح لنا أن نختار إما أن نرفضه بالكُليَّة، أو أن نُغيِّر طريقة تعاملنا معه.

أما المَوقِف الثالث، فنلاحظ فيه غياب المرجعيَّة تماماً، ولا نرى حلاً هنا سوى الاهتمام ببناء مرجعية أساسية قوية تمنع من تَغلغُل تلك الشبهات والأفكار إلى داخل الفرد.


إنَّ سير الإنسانِ في أي طريقٍ معرفيّ بدون الاستناد على مرجعيَّة ثابتة يجعله عُرضة للتسمم الفكريّ، وحينها لا يمكنه الاستفادة بأي شكل من الأشكال، إذ أن الأفكار المُسمَّمة الخبيثة التي تُعرض عليه بدون أي ترشيح أو تنقيح، حتماً تُفسد  الأفكار الصالحة الأخرى، ولا ينبغي لعاقل أن يُسلِم عقله وقلبه لأي مصدر معرفيّ بدون تنقيح ما يستقبل منه، حتى يستقيم له طريق المعرفة، وتستقيم له الأفكار التي يبني عليها معتقداته وقراراته وأفعاله.