أوائل في حياتي "13"

أول من علمني كيفية لبس الإحرام كان أخي وحبيبي في الله الدكتور "أ ب" زميل العمل في الأكاديمية الدولية للعلوم الصحية، في العام الدراسي ٢٠٠٨ / ٢٠٠٩م

هو الدكتور "أ ب" مصري من أسيوط، حاصل على ماجستير صيدلة، سلفي المظهر والجوهر، أحسبه من أشد المخلصين لدينه وعقيدته ولا أزكيه على الله، كان للدكتور سمت خاص يميزه عن كل من سواه، فهو دائم البشاشة دون المساس بهيبة المسلم الملتزم، يتحرى ألا يضيع دقيقة واحدة من الدوام دون عمل، حريص على أن يكون أول الحاضرين إلى العمل، وآخر من ينصرف منه، لا تراه إلا في محاضرة في قاعة، أو في معمل الصيدلة، أو في الصيدلية، وفي كلها يؤدي تراه بالتأكيد يؤدي عملاً ما. أما في وقت فراغه من العمل المكلف به فتجده أمام شاشة الكمبيوتر خاصته، يجهز اوراق عمل للطلاب، أو يقوم بتصميم عروض توضيحية للمنهج، أو يجهز بنك أسئلة يشمل كل سطر من المنهج الدراسي.

حريص على إقامة الصلوات في مسجد الأكاديمية (الظهر - المغرب - العشاء) ثم في الكلية بعدما انتقلنا للعمل فيها فيما بعد. كان يشتد حزنه لو فاتته إقامة صلاة واحدة، وكان يظهر ذلك جلياً واضحاً على قسمات وجهه، كما كان المؤذن المعتمد الذي إن أردت أن تثير أعصابه تقف مكان رفع الأذان فقط، (كنا نفعل ذلك معه أحياناً من باب المزاح، فتراه يسرع الخطى نحوناً متوسلاً بابتسامته الرائعة ألا ننفذ تهديدنا له برفع الأذان) لم يكن يوماً يسمح لأحد غيره برفع الأذان، كان يقول أنه يرجو الله أن يكون أطول الناس عنقاً يوم القيامة برفعه الأذان.

حافظ للقرآن الكريم كاملاً، أخبرني يوماً أنه حفظه متبعاً برنامج حفظ ومراجعة استغرقه ستة أشهر فقط، مما يدل على عزم وهمة كالجبال، كنت أعتمد على الله أولاً ثم هو في الاستيقاظ لصلاة الفجر يومياً قبل أن يأتي أهلي للعيش معي في المملكة.

لم يكن ذوقه يسمح له أن يتخطاني في الطريق، إن كنت على يمينه أصر أن أتقدم أنا، قائلا: تيمنوا وإن كنت على يساره فعل نفس الشئ قائلا: كبِّر كبِّر ....... ولم أكن أكبره سناً إلا بحوالي ثلاثة أشهر! لم يكن ينصرف من أمام باب الأكاديمية إن ظن أن أحداً من الذين لا يملكون سيارة مازال بالداخل وليس معه من يوصله، كان يصر على توصيله مهما كان منزله بعيداً عنه، كان يلزم نفسه طوال السنوات التي عمل بها في الأكاديمية بتوفير وجبة الإفطار للعمال، لم يكن يوماً لينسى إحضار إفطارهم، طوال سنوات لا فترة وجيزة!!! إنه من هؤلاء الناس الذين لا يمكنك المجازفة بجرح مشاعرهم بنية الفكاهة أو المزاح المزعج، كنا شديدي الحرص في التعامل معه في ذلك الشأن، كان هو بالطبع يسبقنا إلى ذلك دائماً.

كان يقول دائما أنه يعشق الحياة في القصيم تحديداً لأنه يمارس شعائر دينه بحرية مطلقة، كنت أشعر أنه لا هم له طوال اليوم إلا العمل والعبادة لا غيرهما، تعلمت منه الكثير والكثير طوال أربعة سنوات عملت معه فيها في الأكاديمية ثم الكلية، أسأل الله العظيم أن يكون خيراً مما نظن فيه، وما ظننا فيه إلا خيراً، وأن يتقبل منه عمله كله، وأن يجمعنا وإياه ومن نحب في جنات الخلد.

إنها دعوة لذكر فضل الناس علينا، لعلنا ندعو لهم بالإخلاص في الدنيا، والرحمة يوم الحساب، والصحبة في الجنة بإذن الله.