إعلاميات ٢

كم معبدا هدمه حكام المسلمين في مختلف الدول الإسلامية من الخلفاء الراشدين والخلافة الأموية والخلافة العباسية والخلافة العثمانية؟ هل غفل عنها عمرو بن العاص رضي الله عنه ومن ثم غفل كل من أتى بعده من الولاة أم هل غفل الخلفاء؟ ليس الأمر في مصر وحدها، بل في كل بلد إسلامي كانت فيه آثار قديمة من تماثيل ومعابد، كالعراق والشام.

لماذا إذآ يتكلم بعض الجهلاء عن "الأصنام" في الآثار المصرية القديمة؟ ولماذا يركز الإعلام المغرض كذلك على تلك السقطة من قلة متدينة عن جهل؟ ثم لماذا يأتي فصيل سياسي ضخم في دولة غير صغيرة فيهول من أمر تلك النظرة الجاهلة، فيهدم شبابه تماثيل أثرية ذات قيمة دينية عند عبادها في دولة قوية مجاورة يعد العداء معها ضربا من الجنون؟

إن التناول الإعلامي لهذه القضية وأمثالها يؤكد إحدى نظريتين أو كليهما معا، أولاهما أن الإعلام يركز على سقطات الفهم والسلوك لدى الشباب المسلم، ليس لمناقشتها والبحث عن علاجها مع العقلاء، لكن بغرض تشويه الإسلام كأيديولوجية فكرية، يبتغي من وراء ذاك إسقاط السخط المجتمعي على تيار الإسلام السياسي، رغم ثقته التامة في براءته من تلك التهم السخيفة، والثانية أنها أصلا مؤامرة تم حياكة خيوطها بدقة في معامل تخطط ليل نهار لتشويه الدين الإسلامي عامة والعاملين على إعلاء رايته خاصة.

إن مثل تلك القضايا لا تستحق ان تلفت انتباه الطرفين؛ الشباب المتدين حديثا، والمجتمع المسلم ككل، فيجب على الشباب المتدين حديثا ان يهتم بعظائم الأمور والتي تهم الدين والوطن والمجتمع، وفي نفس الوقت لا يجب على المجتمع أن تسوقه أدوات الإعلام نحو أزمات مفتعلة هو على يقين أنها زوبعة ليس إلا، حتى لو قال بها عدد قليل جدا من الناس، فلا يعقل أن نعمم فهمهم على عامة الإسلاميين.

لكن مجتمعاتنا للأسف ليست بهذا القدر من الوعي، فكلما ظهرت بوادر أزمة فهم سواء حقيقية أو مفتعلة، فإن المجتمعات تنساق وراء تضليل الإعلام وتهويله كالعميان عن المؤامرة تماما، كأزمات إرضاع الكبير ونكاح الوداع وجهاد النكاح وحملات جماعة الأمر بالمعروف الوهمية وتحريم "التكفيريين" لمحشي الكوسة والباذنجان والممبار تحت دعاوى أسخف من أن تذكر، وحرمة الاكل على الطاولات وحرمة استخدام الشوك والملاعق والسكاكين وغيرها، وحرمة "التشبه بالكفار" في الملابس مثل البنطلون والجاكيت والكاب وربطات العنق، ونحو ذلك من كل تافهات القضايا وسفاسف الأمور.

أذكر كل هذا لأن الإعلام بكل أذرعه ما زال يثير شبهة هنا وتشويها هناك حتى لو ضمن مشهد صغير في عمل تمثيلي، ليغازل بين الحين والآخر أسياده من الكارهين للدين، ويستحث في نفس الوقت همم المغرضين، ويلقي في روع المشاهدين البسطاء شبهة كل حين يشوش به أفكارهم وعقائدهم.