إعلاميات ٣

نعم يعكس الإعلام أحيانا حالات شرائح مجتمعية موجودة بيننا فعليا، ربما يبالغ بداعي التشويق والإثارة، لكنه يعكسها فعلا.

لكن السؤال: لماذا يصر الإعلام دون تراجع او تردد على تشويه صورة الالتزام والملتزمين؟ لماذا يصر على حصر التدين في صور محددة لا غير؛ إما متدين متشدد متزمت متطرف قبيح النظرات والصوت والتعبيرات والإيماءات، أو إرهابي تكفيري قاتل يستمد دعمه المالي إما من النصب والاحتيال او المخدرات او السلاح، أو مدعي الالتزام ظاهرا منافق مرائي، أو جاهل مغيب الفكر مغرر به مخدوع بأفكار تجار الدين، أو خائن للوطن عميل لدولة أجنبية ويتلقى تمويلات أجنبية، أو متخفي وراء ستار الدين لأغراض سياسية، أو داعية مرتزقة لديه انفصام في الشخصية تتناقض حياته الخاصة مع العامة بشكل كامل؟

لا بد أن نعترف أن كل تلك النماذج موجودة في مجتمعاتنا، لا ينكرها إلا جاهل، لكن وجود تلك النماذج لا يعني انها ظاهرة منتشرة من ناحية، ومن الناحية أليس النموذج المعتدل في التزامه موجودا؟ بل أليس أغلب المتدينين أصلا هم من المتدينين العامة الذين لا صلة لهم بتلك النماذج المشوهة لا من قريب ولا من بعيد؟ أليست التدين البسيط المعتدل هو السمت العام في مجتمعاتنا؟ أليست تلك النماذج المشوهة هي المعدودة والمحصورة والتي يمكن أن يشار إليها بالبنان حين نراها؟ فلماذا يتم تكبير صورة التشويه وإهمال الاعتدال إهمالا بالغا في الشدة؟

إن هذا الخلل الشديد في تصوير المتدينين يلقي ظلال الشك على نيات الإعلاميين ومن وراءهم، فليست صدفة أن يقع كل جهاز إعلامي في كل قطر في تلك السقطة المهنية، أو قل الانهيار والانحراف المهني، الذي يبدوا متعمدا بكل تأكيد.