اعرف تفرح أو تحزن، لكن اعرف

من المفترض أن تسعد المعرفة صاحبها، كلما عرف القارئ شيئا جديدا يفرح لأنه لم يعد جاهلا به، أو تدخل المعلومة نفسها السرور إلى قلبه، فتصحح له خطأ، أو توضح له غيبا، أو تزيل عنده لبسا، أو تجيب له تساؤلا، أو غير ذلك مما يشرح له صدره.

لكن الأمر ليس دائما هكذا، فأحيانا تكون المعلومة مصدر حزن كذلك، فرب معلومة عن خائن غيرت مجرى تاريخ العدالة، أو شهوات قوم أودت بدولة او حضارة إلى الفناء، أو سقطات علماء ضيعت أجيالا، أو مذابح قام بها الإنسان ضد أخيه الإنسان سالت فيها دماء الأبرياء أنهارا حتى غاصت فيها ركب الخيول، أو تأريخ تشويهي لدين أو فصيل، أو غير ذلك مما يؤسف القلب والعقل.

والقارئ بين هذين النوعين من المعارف يتقلب قلبه بين الفرح والحزن، يفرح لمعلومة ويحزن لأخرى، فهل يتجنب معارف الحزن ليريح نفسه؟

الجواب ان المعرفة مفيدة، بغض النظر عن تأثيرها الوجداني والعاطفي، وتحصيل المعارف هدف نبيل ووسيلة رائعة، والجهل لا يفيد بحال.

إن يوما لا تزداد فيه معارفي هو يوم لا أعده من عمري ولا أحسبه في حياتي، وإنني بفضل الله أجلس بين يدي الكتاب او وسيلة المعرفة بأدب العالم والمتعلم، بغض النظر عن حجم ومقام المعلم.

حتى أنني وأكثر من مرة كنت أجلس بين يدي أحد طلابي يعلمني الفوتوشوب مثلا او أحد البرامج التي تعلمت الكثير منها على أيدي طلابي، فأكون بين يدي أحدهم طالبا مؤدبا متواضعا شغوفا بتلقي العلم وتحصيل المعرفة وصقل المهارات وتحسين الخبرات، وأذكر الطالب انه في مقام المعلم حينذاك، أشجعه وأشد من أزره من ناحية، وأقر وأعترف له بالفضل من الناحية الأخرى والأهم.

إنني لا أتصور يوما أتوقف فيه عن التتلمذ على يدي معلم او كتاب او وسيلة تعليمية أخرى مهما كان شكلها، ولا أتخيل نفسي قد اكتفيت يوما بما لدي من زاد من القراءة والتلقي، وأسأل الله ألا يريني مثل هذا اليوم حتى ألقاه على ذلك.