العيد فرحة

إنما شرع العيد للفرح والسعادة، دون إثم ولا معصية، يقول الشيخ علي الطنطاوي عن طبيعة فرحة العيد:

"وهي أعيادُ فرحة ومسرَّة، ولهو شريف، ومتاع حلال، والإسلام ليس دين تزمُّت، ولا يُحارب طبيعة النفوس التي طَبَعَ الله النَّاسَ عليها، ولا يُنافِي الفِطْرَة، ولكنَّه يَمنَعُ ما فيه الضُّر، هذه هي المحرَّمات، فكلُّ لَهو لا مُحرَّم فيه، مطلوب شرعًا إن كان باعتدال وقصد، وإلى الحد الذي يقوي النفس على الخير، ويُنشطها للقيام بما يُحب."

فاليوم يوم فرح، لا مجال فيه لحزن أو هم أو غم، لا مجال فيه لتخاصم أو تشاجر، لا مجال فيه لذكريات مؤلمة مهما كانت لعزيز أو غال، لا مجال فيه لأنشطة تجدد الحزن في القلب كزيارة القبور، لا مجال فيه للنشر أو التغريد عن ذكرى وفاة حبيب أو قريب، فاليوم يوم فرحة الأحياء، ولأمواتنا كل الحب والوفاء، لا ننساهم، لكنهم لو كانوا بيننا أحياء ما أحبوا لنا أبدا ولا سمحوا لنا بالبكاء والحزن في هذا اليوم المبارك.

لا مجال إلا للفرح ومظاهر الفرح، وهذه هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، "فعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل أبو بكر، وعندي جاريتان من الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث، قالت: وليستا بمغنيتين. فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر، إنّ لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا". أخرجه البخاري ومسلم.

فالعيد في معناه الديني والتعبدي هو شكر لله على تمام العبادة، سواء جاء عيد الفطر بعد عبادة رمضان، أو عيد الأضحى بعد عبادة الليالي العشر لغير الحاج، ومناسك الحج للحاج.

والعيد في معناه الإنساني والتربوي والاجتماعي هو يومٌ تلتقي فيه قوة الغني مع ضعف الفقير، كلاهما يلتقيان على محبة ورحمة وعدالةٍ من وحي السماء، عُنوانُها الزكاةُ، والإحسانُ، والصدقة، والتوسعة على المحتاج الذي لا فضل له أو زاد، من قبل من أكرمه الله بفضل وزاد.

والعيد في معناه النفسي هو حدٌّ فاصلٌ بين تقييدٍ تخضع له النفسُ، وتَسكُنُ إليه الجوارح، وذلك باتباع أوامر الدين ونهيه فيما يخص اللهو والمرح، وبين انطلاق تنفتح له اللهواتُ، وتتنبّه له الشهوات، باتخاذ الرخص من الشارع في اللهو المباح والمرح المقبول.

فهل يجوز بعد ذلك أن نذهب بعيدا عن تلك المعاني الرائعة، ونحزن أنفسنا بأيدينا وتصرفاتنا، ونبدأ اليوم بزيارة القبور، أو بنشر منشورات وتغريدات نذكر أنفسنا وأهلينا بذكرى وفاة أحبة لنا؟