تحرير الوعي ١٣

أما الموقف الثاني والذي كان بعد صلاة التراويح مباشرة، وتعليقا عليها تحديدا، فقد كان مع فئة مختلفة من التفكير، لكن ذلك لا يمنع من وجود نواقض الفهم والوعي، فلا أحد برئ من تلك النواقض، إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم.

تمهيد ضروري

صدر قرار ملكي بالسماح بصلاة التراويح في المستجد، على ألا تزيد الصلاة عن نصف ساعة، مع الأخذ بكل الأسباب من حيث الإجراءات الاحترازية والتباعد وما إلى ذلك، وعليه فقد التزم "أغلب" أئمة المساجد، لكنه قد حدث اختلاف طبيعي ومنطقي في طريقة التنفيذ، فمن الأئمة من حرص على الطمأنينة والهدوء في الصلاة، لكن على حساب عدد الركعات، فاختصرها إلى أربع ركعات بدلا من ثمان، ومنهم من حرص على عدد الركعات، على حساب الطمأنينة والهدوء في الصلاة، فكانت الركعات كاملة لكن سريعة الأداء، ومنهم من حاول الحرص على الحسنيين، فحافظ على عدد الركعات وحافظ كذلك على الطمأنينة في الصلاة، لكن على حساب عدد الآيات في كل ركعة، فكان الاختلاف موجودا في كل مسجد عن غيره، نتيجة طبيعية لاختلاف الأفهام والطبائع.

الشاهد

بعد انتهاء الصلاة، هرع صديقي إلى إمام المسجد يعاتبه على أدائه السريع في الركعات، وهذا رأيه وهو حر في التعبير عنه، وقد دافع الإمام عن نفسه بأنه ملتزم بالقرار الملكي وهذه طريقته في التنفيذ، وهو كذلك حر في فهمه وأسلوبه، وتشفع له نيته الخالصة.

أين الاختلاف وأين الخلل في الوعي إذن؟

حين ناقشت صديقي أوضحت له ما ذكرته سابقا من أهمية تقبل اختلاف تطبيق الأئمة للقرار، لاختلاف الأفهام، والاختلاف في طبائع الناس كذلك، وذكرت أن تلك الطرق الثلاث في تنفيذ القرار سوف تلقى قبولا عند مختلف الفئات من الناس، فمن الناس من يميل إلى هذا دون ذاك، وغيرهم سيفعل العكس، وهكذا، فلا داعي لاستنكار ما فعل الإمام فهو مجتهد، ومن الناس من يوفقه الرأي، حتى وإن أخطأ، ولا يمكن إنكار وجود فئة عريضة من الناس تبحث عن المساجد التي تنتهي من الصلاة أسرع، ربما لظروف العمل أو لغيرها.

نكرر عليك السؤال؛ أين الخلل؟

أعترض صديقي على طريقة تبريري لاختلاف الأئمة وتصرفاتهم، ورفض ذلك بناء على ماذا؟ بنى صديقي رأيه على أننا كنا ثلاثة في صحبة نصلي معا، وأن ثلاثتنا لا يحب الانتهاء سريعا من التراويح، وأننا "ثلاثة" نعتبر "شريحة" من المجتمع نعبر عن رأيه ووجهته.

هنا يكمن الخلل في الفهم، كيف لثلاثة أشخاص أن يعتبروا موقفهم من قضية ما تعبيرا عن رأي العامة، هذا اولا من حيث العدد.

والمانع الثاني من كوننا "شريحة" معبرة عن رأي المجتمع اننا ثلاثة في نفس "العمر" و"التوجه الفكري" و" ظروف العمل" و"الصحة البدنية" "والحالة الاجتماعية" و"الظروف الاقتصادية" وحتى "الجنسية" حيث نعمل في مجتمع متعدد الجنسيات بشكل طاغي، إلى آخر تلك السمات المشتركة التي تجعلنا تقريبا رأيا واحدا.

هنا يكمن الفهم المغلوط والتطبيق الأكثر غلطا لقواعد استنباط او استقراء الرأي العام والتوجه المجتمعي، ليس لنا الحق أبدا ان نزعم أننا" رأي عام"، لا يحق لثلاثتنا ولا لأضعاف عددنا أن يظن ابدا انه يمثل إرادة المجتمع، لا يجوز لنا أبدا أن نتكلم بلسان المجتمع لا في هذه القضية البسيطة ولا غيرها، ناهيك عن القضايا العامة والمعقدة من الأمور.

هنا يكمن خطر الانسياق وراء شعارات مثل "إرادة المجتمع" و" الرأي العام" و"التوجه المجتمعي" و "الأغلبية أو الأكثرية" أو أي من تلك المصطلحات البراقة التي توهم القارئ أو المشاهد أو المستمع بأن هناك إجماعا هنا أو هناك.

وللأسف الشديد، وفيما يخص هذا الجانب من سوء الفهم وغياب الوعي، نقول بكل صراحة وصدق؛" كلنا هذا الرجل".