تحرير الوعي ١٥

يبدو أننا لو استكملنا مسيرتنا مع مسرح الكوميديا السوداء الذي نرتاده كل يوم فلن ننتهي، وربما ينسى القراء الفضلاء أننا نذكر ذلك كله من باب تحرير الوعي، فكان لزاما أن نتوقف في محطة هادئة نتذاكر الأحداث في ذاكرتنا سريعا، ثم نستخلص الدرس المستفاد المتعلق بقضية تحرير الوعي خاصتنا.

قبل البدء

كلنا عايشنا أحداث السنوات العشر الأخيرة، كل رآها بعينه هو، وربما كل رواها بعينه كذلك، فكم رواية في الواقع الآن؟ لنفس الأحداث!

* يرى البعض "ثورة" ٢٥ يناير، ويراها البعض "فوضى"، كلاهما يفسران أحداث ثمانية عشر يوما في ميدان التحرير وباقي ميادين المحروسة، وهي هي نفس الأيام في نفس المكان!

* يرى البعض ثورة قام بها "الشباب ومنهم الإخوان المسلمون"، ومنهم من رآها ثورة قام بها الشباب "وركبها واستغلها وقطف ثمرتها الإخوان المسلمون"، بل ويرى بعض ثالث "مؤامرة" خطط لها الغرب ونفذ خيوطها وخططها الإخوان المسلمون، وهي هي نفس الأحداث.

* يرى البعض "الشهيد" خالد سعيد، ويراه البعض "المدمن" خالد سعيد، ويعرف البعض" الشهيد" سيد بلال، ويراه البعض "الإرهابي" سيد بلال، وهما هما خالد سعيد وسيد بلال رحمهما الله.

* يرى البعض ميدان التحرير في يناير وقد كانت فيه بطولات وحكايات من التضحية والوطنية والإخوة والوحدة والوطنية وحب الاستشهاد، ويراه آخرون ميدانا للشباب "السيس"، والتحرش الجنسي، وتعاطي المخدرات، وتوزيع وجبات كنتاكي على المتظاهرين من قبل غرباء، وتلقي الأجندات الخارجية من جواسيس أجانب، ومجموعات من خونة الوطن المتآمرين عليه، لكن الأحداث هنا وقائع عليها شواهد، تقابلها من الناحية الأخرى اتهامات لا دليل ولا شاهد عليها.

* يرى البعض الداخلية تفرغ السجون بالإجبار حتى تثير الفوضى في البلاد لتجهض الثورة، ويرى آخرون أن "حماس" أرسلت إرهابيين اجتازوا صحراء سيناء كاملة ثم وصلوا إلى قلب القاهرة ثم حطموا بوابات السجون وأفرجوا عن المساجين، فعلوا كل ذلك دون أن ينتبه الجيش على الحدود ولا الداخلية على الطريق ولا المخابرات في كليهما!

* يرى البعض أحداث ومذابح يناير وقد قام بها "بلطجية" بأموال وتخطيط رموز من الحزب الوطني، ويراها آخرون أحداث عنف "قتل فيها إرهابيو الإخوان ثائري الإخوان"!!! وهي هي نفس الأحداث بنفس الضحايا والشهداء.

* يرى البعض ثورة نجحت، تم تنحي النظام السابق فيها أمام إرادة شعبية من فولاذ، ويرى آخرون أن التنحي لم يكن إلا نتيجة لضغط المجلس العسكري عليه، بعد أن وعده بعدم سجنه على الحقيقة أو إعدامه، أو حتى أذيته إلا ظاهرا أمام الشعب المسكين، بينما يرى بعض غير قليل أن التنحي كان مرهونا بوعد من مكتب الإرشاد ألا يتقدم الإخوان المسلمون إلى الانتخابات الرئاسية بمرشح من داخلهم، ويبقى إعلان التنحي في كل الأحوال إعلانا واحدا شاهده الجميع في نفس اللحظة.

............ يتبع