تحرير الوعي ٥٤ "ذو حظ عظيم"

ينظر المساكين إلى الظاهر، ولا يتفكرون في بواطن الأمور، ينخدعون بما يلمع ويبرق، ولا ينشغلون بالجوهر والمعدن، لذا تراهم يخلطون المعاني ويتيهون عن المفاهيم.

ينظرون إلى صاحب الطرق والكباري، والإنشاءات والمتاحف والبنايات، والأثار السريعة للقروض الربويّة، والتقدّم في مستوى السينما والإنتاج التلفزيوني، وبعض مجالات الرياضة، وزخارف القصور وزينتها، وصولجان الملك ونياشينه، وقوته العسكرية والمخابراتية، واعتراف العالم به ومعاملته معاملة صاحب الحكم الشرعي، وانحناء الوزراء له وأصحاب المال والجاه، ومساندة ودعم الغرب والشرق له، وفرحه وبطره وجبروته حين يتحدث، فأثنوا على كل ذلك، وقالوا إنّه لذو حظّ عظيم!

أمّا الذين أوتوا العلم، ورزقوا العقل والفقه، وأبصرت قلوبهم ووعت عقولهم ولم تنخدع عيونهم، فلم تُبهرهم سلطة قامت على الفساد والإفساد، وتأسست على الخيانة والكذب، ولم تقنعهم أبواق الإعلام الضال المضل، التي صاحت في الناس بأنّ هذا نجاح وازدهار وتقدّم ورخاء، وراحت تمكر الليل والنهار، تكذب الصادق وتصدق الكاذب، وتأتمن الخائن وتخون الأمين، وتعرف المنكر وتنكر المعروف، وتلبس على الناس دينهم وحياتهم، فقال هؤلاء الذين أوتوا العلم والفهم؛ ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحًا!

رؤيتان، وقولان، لكن البون بينهما شاسع، والفرق بينهما فرق ما بين السماء والأرض، والفيصل بينهما والحكم هو فلسفة الحكم والتقييم والوزن، فمن كال بمكيال الدنيا وزخرفها ضل وأضل، ومن كال بمكيال الآخرة هدي إلى صراط مستقيم.

ما تنفع زخارف الدنيا لو كانت عن باطل؟ وما ضر المستضعفين في الأرض إن تمسكوا بالحق واستمسكوا بالعروة الوثقى ولم يحد أحدهم عن سبيل الحق وأهله؟

إن الفارق بين هؤلاء وهؤلاء هو الفرق بين المشرق والمغرب، والعبرة بالخواتيم، فمن اغتر بدنيا زائلة إلى زوال معها، ومن كانت الآخرة همه وشغله كان من أهلها، فأفلح وسعد.

فمن هو ذو الحظ العظيم؟