تحرير الوعي ٥٥ "بطر الحق وغمط الناس"

لما كانت المفاهيم تعتمد أولا على الأسماء، كان من الأهمية بمكان توضيح الرابط بين الاسم والمسمى، حيث يتعمد الكثيرون تغيير الأسماء، فتختلط المفاهيم عند الآخرين، كان من ذلك ما ذكرناه عن الحظ العظيم في المرة السابقة.

الكبر مثلا حصره الناس في شكل معين من السلوك، وغالبا ما كان هذا السلوك ينحصر في معاملة الأدنى مكانة بشكل غير لائق.

لكن المفهوم الحقيقي والشامل لمعنى الكبر أوسع من ذلك بكثير، يوضحه بشكل كبير الحديث الشريف؛ عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا يدخل الجنَّة من كان في قلبه مثقال ذرَّة من كبر! فقال رجل: إنَّ الرَّجل يحبُّ أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة؟ قال: إنَّ اللَه جميل يحبُّ الجمال، الكبر: بطر الحقِّ وغمط النَّاس.

قال ابن القيم: فسر النَّبي الكِبْر بضده فقال: الكِبْر بطر الحق وغمص الناس. فبطر الحق: رده، وجحده، والدفع في صدره، كدفع الصائل. وغمص الناس: احتقارهم، وازدراؤهم. ومتى احتقرهم وازدراهم: دفع حقوقهم وجحدها واستهان بها.

فكان أول معنى للكبر هو رد الحق وعدم قبوله، كان هذا قبل احتقار الآخرين، فإن شغلنا نحن بمفهوم ازدراء الآخرين حيث هو معنى واضح، ويستنكره كل ذي عقل وقلب سليم، انا دفع الحق وعدم قبوله فمعنى باطن، لا ينجو منه إلا من رحم الله.

سلوك ازدراء الناس واحتقارهم أمر مشين فعلا وهو "كبر"، ومثله "أي كبر" الترفع عن قبول الحق لو كان يخالف الهوى، أو لو جاء على لسان من هو أدنى مكانة او سنا مثلا، فلماذا نركز على أحد التعريفين للكبر دون الآخر؟ السبب ببساطة وراء ذلك هو "الكبر" نفسه، الكبر عن قبول حقيقة أننا نرفض قبول الحق طالما قاله غيرنا بما يخالف ما نهواه وما نحبه، وليس يبرأ من هذا النوع من الكبر إلا قليل القليل والله أعلم.

......... يتبع