رؤى لا فتاوى ١٧

أعيد وأكرر وأردد وأؤكد أنني لست ضد تعدد الزوجات، مع أنه "مباح" لا أكثر، حتى يكون فهم مكانته من الإسلام، لأن الفهم أول خطوات التعامل الصحيح، لذا كلما انتقدت سلوكا لمعدد كان انتقادي للسلوك البشري لا للمبدأ الشرعي.

هذا الذي يفكر ويسعى ليتزوج الثانية بينما بنون وبنات أطول منه، وهو ليس ميسور الحال، عندما سألته عن سبب رغبته في الزواج، قال إنه العشق، وليكن جمع العشيقين في الحلال.

لا غضاضة من الحلال، ولكن السؤال المهم: كيف قدر للعشق أن يكون؟ ونحن في مجتمع لا اختلاط فيه، مجتمع يفرض فيه النقاب بالقانون، مجتمع لا فرصة فيه أن يرى أحد وجه امرأة إلا زوجته وبناته، مجتمع لا فرصة فيه للحديث مع غير هؤلاء، فكيف كان العشق دون إطلاق للبصر؟ وكيف حدث التبادل والتفاهم والتوافق في الميول والأفكار دون خلوة؟ وماذا تسمى هذه الأفعال أثناء الزواج بأولى؟

مشكلتنا الأساسية أننا نناقش النهايات، مشكلتنا أننا نناقش النتائج لا الأسباب، مشكلتنا أننا نوقع أنفسنا في الحفر ثم يكون كل نقاشنا في وجوب الخروج من الحفرة، لكننا ننسى دائما أننا نخطئ حين ندفن رؤوسنا في الرمال حين ننسى أصل المشكلة وننهمك وننغمس في مناقشة ذيولها، فنختلف ونبحث في أسباب الاختلاف الفقهي، غافلين عن وجوب البحث في أسباب المشكلة التي أدت إلى الاختلاف الفقهي.

المشكلة هي إطلاق بصر المتزوج المحصن، المشكلة هي تعدي الحدود بالخلوة الغير شرعية والمقابلات الغير معلنة، المشكلة هي الانشغال عن الزوجة وحقوقها والجهد في التوافق بينهما، المشكلة هي الانشغال عن تربية الأولاد ورعايتهم ومتابعتهم بالمقابلات والاتصالات مع غير الأهل المحارم، المشكلة هي إهمال العمل ومهامه ومتطلباته واستحلال الراتب دون عمل ثم الجدال في شرعية تعدد الزوجات!!!

من الأولى ببذل الجهد والتخطيط والإنفاق له؛ تعدد الزوجات للزوج الذي رزقه الله بالبنين والبنات، أم للشباب الذي يسأل العفاف؟

أرجو من السادة الفقهاء أن يقتدوا بحكمة وذكاء النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يتلقى أسئلة الصحابة الكرام رضي الله عنهم جميعا. لما سأله سائل: متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟

أيها الفقيه: لماذا تجيب على سؤال السائل عن تعدد الزوجات بإجابة فورية؟ لعله يستغل إجابتك ليظلم لا ليعدل! لماذا لا تسأله عن سبب رغبته في التعدد؟ لماذا لا تسأله عن وضعه المالي والاجتماعي والأسري؟ لماذا لا تسأله كيف تعرف على من يبتغي الزواج بها؟ لماذا لا تسأله عن أولويات بيته للبحث في جواز إقدامه على تلك الخطوة أم لا؟ لماذا ولماذا ولماذا؟ أنت لست مخولا أن تنطق بالأحكام فقط دون النظر في العواقب! لذا سموك "فقيها"، أنت مسؤول عن تجاهلك لحال السائل حين يسألك، والله أعلم.