رؤى لا فتاوى ١٨

كثيرا في بلادنا ما يطرح سؤال فقهي نفسه على الساحة؛ ماذا لو كنت في عملي جالسا دون عمل يسند إلى؟ طالما ليس لي مهمة هل يخول لي أن أجلس في بيتي طوال اليوم دون الذهاب إلى مكان العمل؟ أو أن أذهب لمجرد التوقيع فقط ثم أخرج؟

مثل هذه المواقف تتكرر بشكل كبير، خاصة في مجال مثل التربية والتعليم، في أسابيع معينة خلال العام الدراسي، وخلال الإجازة الصيفية، والناس في هذه المسألة بين متزمت ومتسيب للأسف الشديد. والإجابة على هذا التساؤل ليست حازمة جازمة، ليست إما أبيض أو أسود، فالمنطقة الرمادية واسعة فيها، وفيها كذلك من العرف في المكان دور كبير.

مثلا

تنتهي الاختبارات ويتبقى أسبوع للدور الثاني، لكن لا وجود لطلاب الدور الثاني، والأسبوع هذا هو الأسبوع الأخير في التعاقد، فيرى المعلم أنه طالما لا عمل بالمدرسة فلا داعي إلى الذهاب إلى المدرسة، بينما يرى مديره وزملاؤه وجوب الدوام، حتى لو كان الدوام بلا مهام، فما الجواب على تساؤله حينذاك.

نقول وبالله التوفيق "نرى لا نفتي ولا نقول بالحلال أو الحرام إنما نتناقش"

أصل التعاقد بين المعلم وصاحب المال على العمل داخل المبنى المدرسي لمدة معينة، يتلقى المعلم المهام والتكاليف داخل المبنى، وإذا طلب منه أداء مهمة معينة خارج المبنى بما يسع ويطيق ويتوافق مع وظيفته فإنه يسمع ويطيع، وإذا لم يتلق المهام أو التكاليف فإنه يكون في مكانه أو مكتبه في انتظارها متى جاءت.

فإذا رأت "إدارة المدرسة" التخفيف على المعلمين بتخفيف ساعات العمل، أو تقسيم الحضور بينهم حتى يتواجد في المَدرسة من بؤدي أي مهام طارئة، فهذا عرف جميل وعاقل، يريح المعلمين ويحافظ على العمل في نفس الوقت.

أما إذا تصرف المعلم من تلقاء نفسه، فانقطع عن الدوام دون استئذان ودون عذر، بينما يداوم زملاؤه فإن هذا التصرف لا يليق بمرب فاضل ومعلم وقدوة للأجيال، وفيه نظر في استحقاقه الراتب الذي يتقاضاه لا مقابل نومه في بيته بل لقاء وجوده وعمله في مكان عمله.

والتحجج بأن وقت الدوام بلا عمل إهدار للوقت، فهو قول باطل، ولو كان حقا لتجرأ فاعله وأبلغ صاحب المال بأنه في بيته لا في دوامه دون تردد. والدليل ببساطة؛

هب أن هذا المعلم تم إخباره أن صاحب المال سوف يتصل يوميا ليعرف من الموجود ومن الغائب، ماذا سيكون رد فعله؟ هل سيتغيب الأسبوع كله او حتى يوما واحدا؟ فما الفرق؟ لو انه على يقين أنه على الحق ببقائه في بيته لفعل. فالله أولى بالمراقبة من صاحب المال وصاحب السلطان. والله تعالى أعلى وأعلم.